من ست سنين بالظبط أختي قررت تسرق جوزي لأنه كان غني جدًا… وفعلاً عملت كده. ما اهتمّتش ظاهريًا، وما خلّتهاش تنتصر عليّ، رغم إن الوجع جوايا حاسّة بيه كأني عايشاه النهارده. الست ما بتخطفش الراجل… الراجل هو الخاين بطبعه، وكون إنه مال ليها يبقى للأسف ده أصله. الفلوس ما بتغيّرش النفوس. فاتت سنين… أمي ماتت، والنهارده عزاها. دخلت إيدها في إيده، ورفعت إيديها قدّامي تتباهى بخاتم الألماس بوقاحة: — بقيتي ٢٨ سنة يا رانيا ومطلّقة… ربنا يكرمك براجل شكل جوزي كده، يغرقك فلوس وقصور، والأهم يكون راجل ويحتويكي.
السخرية كانت الحاجة الوحيدة اللي قدرت أرسمها لها في الوقت ده. هو إحنا في عزاء أعز الناس ولا في ميدان تباهي للست صبا أختي؟ معذورة… ما شافتناش من سنين. من وقت ما قررت تتصرف بوقاحة وتخطف اللي جرى وراها. أمي غضــ . ــبت عليها وطردتها.
من ست سنين، قاسم الدمنهوري كان نجم مجال التكنولوجيا في القاهرة… مليونير عصامي، الراجل اللي لبّسني خاتم ألماس خمس قيراط على يخت واقف في مارينا الجونة، وأمي كانت بتعيّط من الفرحة على مكالمة فيديو. وقتها كان بيصرخ بعشقي. ما أنكرش إني حبيته… وإنه اتغيّر في ثانية، رغم إن عيونه لما بصّيت له دلوقتي كان فيها شيء مش ثابت… غريب. يمكن ندم… أو… معرفش.
كنت ساعتها عندي ٢٢ سنة. شغل ثابت، شقة في وسط البلد، وبورد كامل على بينترست عن فستان الخطوبة والديكور. إحنا اتربّينا في بيت بسيط في ضواحي القاهرة. أمي، الحاجة نادية، كانت بتشتغل شيفتين، وبرغم كده كانت بتسيب لنا نوتة بخط إيدها في علبة الأكل. أنا كنت العاقلة زي ما بيقولوا… مذاكرة، منح، استقرار. صبا كانت الجميلة… ملفتة، صوتها عالي، ودائمًا عينها على أي حاجة في إيد غيرها: لعب، هدوم، شباب. لما اخترتها تبقى معايا في كل حاجة بختارها، أمي مسكت إيدي واترجّتني: — يمكن ده يقربكم من بعض.
ما كانتش تعرف إن بعد ٣ شهور بس، هدخل مكتب قاسم وأنا شايلة له ساندويتشه المفضل، وألاقي أختي قاعدة على مكتبه… الروج بتاعها على قميصه، وإيده في مكان ما ينفعش يكون فيه. أنا بعترف… أختي رخيصة. ما انهارتش، رغم إن قاسم حاول كتير… كتير جدًا. بس خلاص… ما ينفعش. اطلّقت، وانسحبت من حياتهم. والنميمة في القاهرة عملت شغلها. قاسم وصبا اتجوزوا في فرح قالوا عليه “بسيط” لكنه اتنشر في كل السوشيال ميديا. لمّيت حياتي في كراتين، وسافرت إسكندرية. قلت للناس عشان ترقية في الشغل… الحقيقة؟ كنت بهرب عشان أعيش.
في إسكندرية، اتعلّمت أتنفّس من غير ما أفتح موبايلي أدور على اسمه. غرّقت نفسي في الشغل، في العلاج النفسي، وفي صحبة ناس بتدعمني بدل ما تستنزفني. وهناك، رغم كل وعودي لنفسي، قابلت راجل جديد… راجل مش محتاج أضواء عشان يحس بقيمته، فاهم يعني إيه خيانة، ومخلّانيش في يوم أحس إني في سباق مع ظل أختي. ما استعجلتش أقول لأهلي. بعد قاسم، الحب بقى حاجة أخاف عليها، مش جائزة أستعرضها. أمي كانت أول واحدة تعرف. سمعت في صوتي قبل ما أقول كلمة.
وبعدين… الدنيا قررت تختبر كل جرح شايلته جوايا. تشخيص أمي جه سريع وقاسي… مرحلة أخيرة. ٨ شهور مستشفيات، وجملة واحدة بتتكرر: “إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه”. آخر طلب حقيقي ليها ما كانش عن شقة ولا فلوس ولا أي حاجة… قالت لي: — اوعديني تلاقي السلام يا رانيا… اوعديني اللي حصل مع أختك ما يكونش عائق ليكي أبدًا… ربنا يسامحها. وفي النهاية، ربنا جبر قلبي.
امبارح، دفــ . ــنّاها. سما القاهرة كانت حزينة… الشماسي السودة، والياسمين. وقفت قدّام قبـ . ـرها، الناس على يميني، وجوزي واخدني في حــ . ــضنه على شمالي، وحسّيت إني عندي ٨ سنين ولسه محتاجة حــ . ــضن مامتي. وفي نفس اللحظة… في نص العزا، الجو اتغيّر فجأة. همس… لفة رؤوس… ما احتجتش أبص. صبا دخلت متأخرة، متغلفة بحزن معطّر بالغنى والنفاق… وقاسم جنبها، أكبر شوية، بس لسه بنفس الأناقة. عينه فيها نفس اللمحة اللي ما بتتفسّرش. إيده على نفس الضهر اللي قال زمان إنه عمره ما هيقارنه بيا.
حــ . ــضنت بابا، وبعدين جت ناحيتي. عينيها عدّت على فستاني، وعلى إيدي الفاضية… خاتم جوازي كان في إيدي اليمين، مش الشمال. قالت بصوت ناعم، فيه سم: — يا حرام… لسه لوحدك وانتي ٢٨ سنة؟ جوزي كان جاله مكالمة، قبل ما تقرّب لي باس راسي وسابني، وده خلاها تفتكر إني لوحدي. همسات بغل… أنا عندي راجل، وفلوس، وقصر. من ست سنين، الكلام ده كان ممكن يكسّرني. ولو امبارح؟ كان ممكن يضحّكني. ابتسمت بهدوء وقلت: — عندك حق… إنتِ صح جدًا.
ناديت على جوزي. انتبه لي في ثواني، قفل المكالمة وقرب لي حــ . ــضني بقوة: — مالك يا عمري؟ حقك عليّا… بس كان لازم أرد. ولما لف وبصّ لهم… ابتسامة صبا اختفت في ثانية. صدمة. لأن الحقيقة؟ جوزي طلع الدكتور مصعب الدمنهوري. أخو قاسم الأكبر. الراجل اللي قاسم كان دايمًا يعيش في ظله. اللي رفض يدخل شركته عشان “ما يبقاش اسمه تابع”. اللي سافر إسكندرية من سنين وساب كل حاجة، بعد ما عرف إن أخوه خان بنت واتجوز أختها.
قاسم بلع ريقه بصعوبة. إيده شدّت على ضهر صبا لا إرادي. وهي؟ كانت واقفة زي تمثال اتصبّ من غِل. مصعب مدّ إيده بهدوء: — البقاء لله… طنط نادية كانت ست عظيمة. صوته ثابت. محترم. بس عينه… عينه كانت بتشوفهم كويس أوي. صبا حاولت تضحك، ضحكة مهزوزة: — إنتِ… إنتِ اتجوزتيه إمتى؟ ردّ مصعب قبلي، وهو محاوط كتفي: — من سنة وشهرين. وسكت شوية، وبعدين كمل: — بعد ما اتطلقت. الصمت نزل على العزا زي حجر.
صبا بصّت لقاسم. قاسم بصّ في الأرض. مصعب قرّب خطوة، صوته واطي بس مسموع: — بالمناسبة… القصر اللي بتتباهي بيه؟ — باسمي. — وأنا اللي موفّر لقاسم شغله الحالي، بعد ما شركته وقعت. وصبا حسّت لأول مرة إن الألماس اللي في إيديها تقيل… تقيل أوي. مصعب لفّ ناحيتي، مسك إيدي، وطلع الخاتم من جيبه. خاتم بسيط… بس ثابت. — رانيا لبسته في إيدها اليمين احترامًا لوجعها، مش لأنها فاضية. بصّيت لأختي لأول مرة من غير ألم. من غير مقارنة. من غير سؤال: ليه؟
قلت بهدوء: — ماما كانت دايمًا تقول… اللي ياخد حاجة مش بتاعته، يفضل طول عمره خايف تروح منه. سابناهم ومشينا. في العربية، حطّ راسه على جبيني: — آسف إني اتأخرت عليك. ابتسمت: — لا… إنت جيت في الوقت الصح. دفــ . ــنّا أمي… ودفــ . ــنت معاها ست سنين من الغِل. صبا فضلت واقفة… بألماس، وقصر، وجوز عمره ما كان ليها بجد. وأنا؟ مش كسبت راجل غني… كسبت سلام. النهاية.

