بعد فترة، أصر والديه على تزويجه بابنة عمه، لكنها ظلت في أحلامه. رغم زواجه وإنجابه ابنة سماها “دهب”، توفيت زوجته بسبب مضاعفات الحمل. تنهد بدر بحزن وتمنى الرحمة لها، ثم غط في نومه وهو غارق في أفكاره عن دهب. “أحتيال”
الفصل الثاني
في صباح اليوم التالي، جلس عز الدين وزوجته على مائدة الطعام، بينما جلست حفيدته الصغيرة على يساره. عندما رأت والدها مقبلًا عليهم، عبست وتحولت وجهها بعيدًا. اقترب منها والدها وقبّل وجنتيها قائلاً: “حبيبة بابا”. فرت ذراعيها للأمام ولم ترد.
جلس بدر مقابلها، رافعًا حاجبه: “لا احنا زعلانين أوي كمان شكلنا؟” لكن والدته ردّت عليه بنظرات عتاب. قطع عز الدين الحديث قائلاً: “ها يا بدر، أخبار الشغل إيه؟ قابلت المتدربين الجدد؟” رد بدر بتوتر: “كله تمام، خلال يومين نبدأ ننفذ الشغل.” فرد عز الدين: “خير إن شاء الله.” ثم نظر إلى حفيدته وهو يتابع حركاتها، وقال: “أعملوا حسابكم بعد ما أخلص الشغل، هعدي عليكم، نروح نتغدى بره، شوفي عايزين تروحوا فين، مين موافق؟” قفزت الصغيرة من مكانها، تحتضنه وتقفز قائلة: “بحبك أوي.” فرح الجد جدًا بحبها وقال: “الله على الحب والأحضان، مفيش لجدو وتيتا، شوفتي باعتنا على طول.”
داخل مكتب شركة Zew، كان بدر يجلس متأملاً في المتدربين أثناء عملهم، وفجأة أندهش وهمس: “حركتها سريعة جداً، غريبة أوي البنت دي.” دخل جاسر مكتبه، ليبدأ حديثًا عن بعض أمور العمل: “فاضي نتكلم؟” أشار بدر له بحركة يد ليجلس، وقال: “أه، تعال اقعد، عايز إيه؟” أجاب جاسر: “كنت عاوزك تروح المصنع تشيك على العمال والماكينات قبل ما نحول لهم الشغل الجديد.” هز بدر رأسه وهو ما زال شارد الذهن وعيناه تراقب الفتاة: “آه، الحج هناك بيشرف على الأمور، مستنيين بس التصاميم تجهز ونشتغل على طول إن شاء الله.”
لاحظ جاسر تركز عين بدر على شيء، فسأله بتساؤل: “إيه؟” أجاب بدر بلا مبالاة: “مش عارف، حاسس البنت دي غريبة، حركتها مش طبيعية من أول ما تدخل لحد ما تمشي.” رد جاسر مبتسمًا: “عادي، يمكن الحماس واخدها.” لكن جاسر قطع حديثه فجأة عندما فُتح الباب ودخلت الفتاة بسرعة، كما هو عادتها. جلست بسرعة وابتسمت لهم، ثم وجهت أنظارها لبدر وقالت بعفوية: “صباح الخير!” نظرات بدر أصبحت حادة، فصرخ بها: “اتفضلي، اقفي! مين سمحلك تدخلي من غير إذن؟ مفيش حد علمك الاحترام؟”
تفاجأت حورية من أسلوبه، شعرت بالإهانة وأغلقت الباب خلفها بقوة، عائدة إلى مكتبها، وقلبها مليء بالثورة. أما بدر فقد شعر بأن النظام في العمل هو أولويته، فشدد على ضرورة الالتزام به. جاسر، الذي كان يتابع المشهد، وقال: البنت اتحرجت.” لكن بدر كان جادًا وقال: “الشغل عندي رقم واحد، مش بحب الهزار والدلع. لازم تتعلم الدرس من البداية.” بعد قليل، نهض بدر ليتابع تصاميم المصممين في المكتب المجاور، كانت ميرا لم تفوت الفرصة وأخذت تراقب الموقف عن كثب. بدت وكأنها تستمتع بالأمر، فنظرت إلى حورية التي كانت غاضبة من تصرف المدير، وقالت لها بحيلة: “دول تصاميمك؟”
حورية ردت بسرعة: “أيوه، دول تصاميمي.” بينما بدر كان يتطلع إليها بحذر، وعلّق: “مافيش جديد، دي رسومات قديمة مش مناسبة للمعاير العالية
“ثم صرخ قائلاً: “الشغل هنا لازم يكون بمستوى أعلى من كده! مش شغل أطفال.” شعرت حورية بالغضب، لكنها كتمت مشاعرها. بعدها طلب بدر من الجميع إنهاء العمل في أسرع وقت. في المساء، طلبت السكرتارية من حورية الذهاب إلى مكتب بدر بالرسومات. تأففت حورية وقالت: “هو مفيش غيري أنا؟” بينما كانت زميلتها مرعوبة من تصرفات بدر، فقالت لها: “ياريت تروحي أنتي هو طلبك بالأسم.”
السكرتيرة ألحت على حورية وهي تقول: “أنجزي بسرعة، هو طلبك انتِ، عشان مش عاوزين مشكلة مع أستاذ بدر، ما عندوش رحمة في الشغل، وبيخصم لأي حد.” حورية تذمرت لكنها أخذت الأوراق بعنف وذهبت إلى مكتبه، خبطت الباب، وبعد لحظات، سمعت صوته يأذن لها بالدخول. دخلت وهي تتمتم بغضب: “دخلت عليه تريلة يا بعيد”. قالت له وهي تبتسم ابتسامة مصطنعة: “الورق اللي طلبته يا فندم، أي خدمة تانية؟” نظر إليها بدر ببرود وقال: “شطرة، بتتعلمي بسرعة.”
أجابته بحنق: “على يدك يا فندم.” بدر تفحص الرسومات وقال: “ركزوا في الشغل بقى، وياريت تتعلمي الالتزام لو حابة تكملي معانا. مش بحب الفوضى.” ثم أضاف: “الرسومات دي كويسة بس محتاجة شوية تعديل. خليهم يخلصوها النهاردة، هنبدأ بكرة.” وأشار لها أن تخرج من مكتبه. غادرت حورية متوترة، تفكر كيف صبرت على إهانته، وتتوعد بالرد عليه قريبًا. بعد ثلاث أيام من الهرج والمرج، ملأ مكتب بدر أصوات الصراخ الحاد: “إزاي المهزلة دي تحصل؟ ابعت هات مسؤول المراقبة حالًا!” كان يصرخ بغضب شديد، بينما الجميع في المكتب يرتعد من الخوف.
جاسر حاول تهدئته لكنه فشل، فقد كانت مشاعره متأججة. بعد قليل، خرج جاسر وتحدث مع حسين عبر الهاتف ليحضره مع شرايط المراقبة، ثم عاد ليجد بدر جالسًا بعصبية، يدبدب بقدميه على الأرض وهو يهدد بالمزيد ضد من ارتكب الخطأ. حاول جاسر مجددًا التهدئة قائلاً: “بدر، الموضوع هيتحل بالهدوء.” لكن بدر انفجر قائلاً: “هدوء إيه؟ لما تصاميمنا تتسرق قبل ما تنزل وتباع في السوق بأسعار رخيصة وخامات ردئية، ده يعتبر خيانة كبيرة!” جاسر حاول تهدئته: “السوق مليان رخيص وغالي، لكن الخامة هي اللي بتحدد الفارق. إحنا مصنع Zew معروف، ورغم أنهم بيقلدونا، إحنا التوب.”
بدر كان عازمًا على معرفة من وراء تلك المكيدة: “أعرف مين اللي خاننا، وربنا يدمره.” بعد قليل، وصل حسين مع الأشرطة، وجلسوا جميعًا لمشاهدتها. مرَّت ساعة من المراجعة دون أن يجدوا شيئًا غير طبيعي، حيث كانت جميع المكاتب تظهر بشكل طبيعي بفضل الجدار الزجاجي الشفاف. لكن فجأة، توقف بدر وأعاد مقطعًا معينًا. هنا انتبه جاسر لحركة غريبة تقوم بها حورية في المكتب الجديد. بعد أن سلمت المستندات للشركة المنافسة، توجهت إلى بيومي لتسليمه جواز السفر وهمت بالمغادرة، لكن صوته توقفها: “أبقي ردي علينا يا حلوة. في أوقات بكلمك، تردي وتقولي معرفكش، وكنت مين وتقفلي. قولت يمكن حد جنبك!”
استقلت سيارتها مرة أخرى، شاردة في ملامحه الرجولية ونظراته، وكلامه الذي لم يتعدَّ حدود العمل. لكن سرعان ما انتبهت لنفسها وقالت بصوت خشن، وهي تنظر للمرآة: “عشان يشتمني بعد كده، زي اللي قبله. مش هيفرق عن غيره. قبضنا المهمة بنجاح، كده أروح أبسط نفسي.” تراقصت مع أنغام المهرجانات التي كانت تعلو المسجل، تضغط بيدها على بوق السيارة وتصفق كما يفعل الشباب، ثم تذمرت قليلاً. بعد ساعة، وصلت إلى منزلها.
دلفت منهكة بعد يوم طويل أتمت فيه جميع المهام بحرافية، وذهبت مباشرة لأخذ حمامٍ منعش. ثم ارتمت على الفراش، غارقة في أفكارها حتى تغلب عليها النوم. لم تشعر بشيء بعد ذلك، حتى صوت فتح الباب الخارجي ودخول شخص ما إلى غرفتها. كانت غارقة في النوم العميق، لكن فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان.
الفصل الثالث
داخل المكتب قبل قليل وقف جاسر بتعجب من أفعال أبن عمه:
_ فيه ايه يا بدر فهمني وقفت ليه كده فجأة.
أشار بيده لبعض اللقطات، يشرح لهم ما توصل اليه:
_ ركزوا معايا في حركة البنت دي بالذات:
-بصوا كل الفريق قاعد الأ هي بتتنقل من بينهم بسرعة وترجع تقعد وبعدها شويه تلف تاني، وتكلم دة ودة بتتحرك بسرعة رهيبة وغريبة جدا. هات كدة أخر اليوم كده ركزوا على أخر خمس دقايق. هتلاقوها مجمعه كل الرسومات قدامها ورسماهم تاني ليه.
مفيش غيرها هي الخاينة بنت الأية… توعد لها شرا:
_ناديها لي حالًا يا حسين مفيش غيرها بنت الحرامية دي الواحد أتخدع من مظهرها. جاسر بصدمة من فعلتها يلعن حاله أنه سبب في ذلك:
– مكنش باين عليها فعلا المظهر مش كل حاجة. دلف حسين مرة أخرى يخبرهم بعدم تواجدها بالشركة. صاح بصوت جهوري أرتعد من في الشركة على أثره:
_ هات لي ملفها حالًا يا جاسر انت اللي عينتها في المقابلة. ظل يعيد شريط المراقبة أمامه العديد من المرات؛ حتى دلف إليه جاسر مرة أخرى محدثًا بعد أن أغلق الشاشة:
_ ها لقيت حاجة في الملف. تحدث وهو يرتعد من غضبه:
_ فص ملح وداب للأسف مش كاتبة عنوانها وتليفونها مقفول بنت اللعيبة إزاي خدعتنا كلنا. نطق الآخر وهو يتأجج من الغيظ:
_ قاعد تقولي محترفة وزفت على دماغها في الأخر طلعت نصابة انتو ازاي تعينو من غير ما تاخدوا بيانات كاملة انا مش هاسكت على المهزلة دي. صمت قليلا متذكرا شيئا يتأججا من الغيظ: مش قولتلك إن بنت دي غريبة شوية. جاسر محاولة تهدأته من أنفعاله الزايد:

