عطر الحب2

في جنينة فيلا البدراوي ظل الشجر عامل بقع هادية على النجيلة، والنسيم بيهز ورق الورد بخفة.
إياد وعهد قاعدين على المصطبة الحجر عند النافورة الصغيرة، كل واحد في إيده فنجان شاي ساقع نصه.
الدنيا حواليهم ساكتة، بس عينيهم باين فيها إن لسه في كلام ما خلصش. عهد (بتلم الشال على كتفها وبصوتها فيه قلق):
إنت سمعت الكلام اللي حصل على العشا؟
أمك… قالت كده على صوفيا؟!

إياد (ياخد نفس طويل، يبص بعيد شوية كأنه بيحاول يسيطر على نفسه):
آه… سمعت.
اختارت أحلى وقت تقول فيه الكلام ده، صح؟
أنا مش فاهم إزاي بتعمل كده.
أنا محرج أوي يا عهد… مش بس قدامك، قدام العيلة كلها. عهد (تميل عليه وتمسك إيده):
ما تتكسفش يا إياد.
اللي حصل ده مش ضعف منك.
ده تصرّف من أمك، وإحنا لازم نفضل مع بعض.
إنت مش لوحدك.

إياد (يسكت شوية وبعدين يضحك ضحكة مرّة):
كنت فاكر إننا عارفين بعض من جوة، نحمي بعض ونقف في ضهر بعض.
بس بقى عندي إحساس إن في حاجات أنا مش شايفها.
وأوقات بحس إني ضعيف عشان ما قدرتش أوقف الكلام ده. عهد (تمسك إيده بقوة):
إنت أقوى من كده بكتير.
قلبك نضيف، وده كفاية.
واللي يهين الناس بكلامه، عمره ما يبقى كبير في عيني.
أنا معاك، وإيدك في إيدي.

إياد (يبص لها بعينه اللامعة):
إنتِ دايمًا بتعرفي تهدي قلبي.
عندك سحر في الكلام.
أنا… بحبك يا عهد.
حب مش زي أي حاجة حسيتها قبل كده.
مش بس حب خطيبين… ده حب مالي عليّ دنيتي كلها. عهد (وشها يحمر وتضحك بخجل):
يا ابني… ده كلام تقيل!
بس أنا كمان بحبك.
بحبك بطريقة ساعات بتخوفني.
مرات بحس إنك أخويا، ومرات بحس إنك أكتر من كده بكتير.
مش عارفة أوصف الإحساس… بس هو معايا طول الوقت.

إياد (يبتسم ويمسح دمعة صغيرة على خدها بإيده):
ما تخافيش يا حبيبتي.
أنا موجود.
وأي حد يحاول يوجعك… هخليه يندم.
ما تشغليش بالك بكلام فارغ.
إحنا مع بعض. عهد (تمس رقبته بحنان وتهمس):
بوعدك يا إياد… هنفضل مع بعض.
هنبني حياتنا ونثبت للكل إن الحب هو الردّ الصح. إياد (يقبّل جبينها قبلة طويلة):
أديكي أماني كلها.
وعد مني… اللي فات هيمــ,,ـــــوت، واللي جاي أحلى بكتير. الهواء يعدّي فوقهم، والورد حواليهم كأنه بيشهد على الكلام.
عهد تحط راسها على صدره لحظة، تسمع دقات قلبه تهديها، وكل الدنيا براهم بتختفي.

بعد شوية، إياد يبتسم بمكر حنين:
وبالمناسبة… لما نوصل البيت، في مفاجأة صغيرة مستنياكي.
مش هقولك دلوقتي عشان ما تبقيش فضولية زيادة. عهد (تبص له بعين بريئة):
مفاجأة؟!
يا نهار أبيض… قلبي مش هيستحمل. إياد (يقوم، يمسك إيدها ويقومها معاه، ويدوّرها كأنهم بيرقصوا):
ما تقلقيش… هتعيشي أحلى مفاجآت معايا.
وبعدين؟
بعد كده نضحك في وش أي حد حاول يجرحنا. ضحكهم يختلط بصوت ميّة النافورة، والمشهد يقفل عليهم واقفين في ضوء الشمس الدهب الخفيف، إيد في إيد، عينيهم قدام على مستقبل واحد، مهما حصل حواليهم.
**********************
في غرفة عهد في فيلا البدراوي (الصباح الباكر)

أشعة الشمس الذهبية تتسلل من خلال ستائر الغرفة، تملأ المكان بدفء ناعم. عهد وصوفيا نايمتين جنب بعض على السرير الكبير، والضحك الخفيف من الليل الماضي لسه عالق في الجو. صوفيا تفتح عينيها أول وحدة، تشهق بمرح:
— “Wake up sleepyhead! Rise and shine!”
(استيقظي يا نعسانة! قومي وأشرقي!) عهد تئن وتشد الغطاء فوق راسها:
— آه، يا صوفي، لسا الساعة بدري! 😴 صوفيا تضحك، وتشد الغطاء منها فجأة:
— بدري إيه! إحنا عندنا خطة اليوم. أنا مش جاية مصر أقعد في السرير. قومي يلا!

عهد، بخجل وابتسامة:
— خطة؟! أنتِ جادة يا مجنونة؟ من امتى وإنتي وعلا بتخططوا من ورايا؟ صوفيا، ترفع حاجبها بمكر:
— من امبارح بالليل لما كنتي مشغولة تتأملي الخاتم بتاعك! 😉 عهد بسرعة تحمر خدودها، تخبّي إيدها تحت الوسادة:
— صوفيااااا! 🙈 ضحكة صوفيا تعلو الغرفة، ثم تقفز من السرير وتفتح الخزانة:
— يلا بسرعة، اليوم كله لينا. هنتقابل مع علا ونخرج نلف. قوليلي بقى… عايزة مكان هادي ولا مغامرة؟ عهد، وهي تجلس وتفرك عينيها:
— مغامرة؟ أنا مش عارفة إذا كنتي جاي مصر عشان تشوفي عيلتك ولا عشان تجنني الدنيا كلها!

صوفيا، تلتفت لها وهي تختار فستان صيفي خفيف:
— هو فيه فرق؟ 😏 أنا أشوفكم وأعيش حياتي في نفس الوقت. وبعدين، علا وعدتني إنها هتودينا مكان محدش بينساه. عهد تضحك وتلوّح بيدها:
— أوكي… بس بشرط. ما فيش جنان كتير. أنا مش زيك. صوفيا تقف أمام المرآة وتعدل شعرها بمرح:
— طيب، promise… يعني تقريبًا. 😇 ثم تركض وتجلس جنب عهد:
— يلا، يلا، قوليلي! إنتي وإياد… كيف الأحوال؟ أنا شايفة بريق في عينيك مش كان موجود من قبل.

عهد تحمر وتعض شفتها السفلية:
— صوفيا، بلا فضايح من الصبح. أنا… أنا لسه بتأقلم. صوفيا، تبتسم بحنان وتلمس خدها:
— I’m so happy for you, cuz. (أنا سعيدة جدًا علشانك يا بنت خالتي). في اللحظة دي، علا تطرق الباب من بره بصوتها المميز:
— يا أميرات! صحيتوا ولا لسا نايمات؟ ولا أفتح الباب واصحيكم بالعافية؟ عهد وصوفيا يصرخان في وقت واحد ويضحكان:
— لاااا! إحنا صحينا خلاص! 😂 المشهد ينتهي بضحكات البنات الثلاثة تملأ البيت، وكل وحدة فيهم مليانة طاقة ليوم جديد مليان مغامرات.
**********************
في حديقة مقهى ساحلي هادئ على أطراف الاسكندرية (بعد ساعة)

الشمس دافية والنسيم عليه ريحة الورد والبحر البعيد. المقهى فيه طاولات خشب متفرقة وسط فسحة صغيرة مليانة نباتات، والموسيقى خافتة بتدي إحساس مريح. سليم يوصل بالعربية قدام البواب، ينزل ويساعد البنتين ينزلوا بحقائب صغيرة وضحكاتهم ماليه الجو. سليم (بابتسامة ماكرة وهو يفتح باب العربية):
يلا يا جميلات، نزلوا بقى قبل ما أقول إننا نلغي الخطة ونروح نشوف فيلم رعب. عهد (تضحك وهي بتنزل):
يا عم سليم! إحنا هنمــ,,ـــــوت من الضحك قبل الفيلم ده. صوفيا (تنطط وهي تطلع):
I’m ready for anything! Let’s gooo!

يمشوا كلهم في الممر الترابي للمقهى، وفجأة علا بتظهر من جهة الجنينة، لابسة توقعها الرياضي الخفيف مع جاكيت قصيرة، شعرها مربوط بعصابة ووشها منور بابتسامة. علا (تركض وتفتح يدها لصوفيا):
ياااه! صوفيا! أخيرًا وصلتِ! صوفيا تجري وتقفز في حــ,,ـــــضن علا، العناق طويل والضحكات عالية؛ عهد تبص عليهم بابتسامة دافية، وسليم واقف متفرج بعينين فيها مزيج من الحنان والمزاح. علا (تفك العناق وتبص لصوفيا بعينين لامعتين):
وحشتيني قوي يا حبيبتي… شكل لندن ما عملتش معاكي صح من غيرنا.

صوفيا (متأثرة ومتحمسة):
I missed you so much, ʿala! You’re the best. بعدها، علا بتلف تبص لعهد وتضمها في حــ,,ـــــضن صغير: علا (همسة لعهد):
وأنتي يا عهد، حبكِ دايمًا في القلب. لازم نعمل يوم كله حكايات النهارده. عهد (بخجل وسعادة):
أنا موجودة… وانتي خطّيطة اللي تنفّس عني من ضغوط الجامعة. يجلسوا كلهم على طاولة في الشمس الخفيفة. النادل ييجي يسأل عن المشروبات، والصحبة تبدأ تحكي. سليم يقعد جنب علا مقابل صوفيا، ونظراته ليها فيها مزاح وحنان.

سليم (مازحًا وهو بيطلب قهوة):
عايز أأمنلي مكان في فريق التحكيم لو حضرتك هتعملي مسابقة ضحك اليوم. علا (ترد بتحدي خفيف):
يا سيد المخابرات، أنت بتحب تمزح بس أنا عندي مهرجان ضحك عالمي النهارده. استعد. سليم (بشكل نصحي حنين):
خلي بالك من الكلام ده، يمكن تفضحي نفسكِ وتضحكي لحد ما تنسي حد. الجميع يضحك، وبعدها الحديث يتحول لمغامرات صوفيا في لندن: دروس الموسيقى، والأماكن اللي زارتها، والناس اللي قابلتها. علا بتعلق بتعليقات حادة طريفة، وعهد بتشارك قصصها عن مشاريع الجامعة. سليم بينزل ينقل النكات ويهزر معهم.

صوفيا (بحكاية متحمسة):
…and then my piano teacher said I should play in front of real audience next month! I’m terrified and excited. علا (بتشجيع حار):
يا سلام! لازم نكون أول ناس نشوفك! وأنا هجيب الكاميرا وهصورك وإحنا كلنا هنصقف كأننا في أوبرا. سليم (بنبرة مداعبة لعلا وهو يبص لها):
وأنا هعمل صوت التصفيق الاحترافي، يعني تصفيقة فيها إحساس وصوت قوي. علا (ترد عليه بعينين تلتمع بالمزاح):
وسليم… لو صوّتك فضيع، هبعت لك فيديوك في حالة طريفة لكل اللي بيتابعوني.

سليم يمد إيده بسرعة ياخد كوب المية من النادل، يرفع الكوب كإشارة سلام ويبتسم لها بابتسامة فيها دفء واضح. سليم (بصوت أخف):
يا سلام… خليكي بتضحكي كده دايمًا. بحس إن الدنيا أبسط معاكي. علا تبص له، وفي لحظة الصمت القصيرة دي الحميمية بين الاتنين واضحة — فيها احترام ومغازلة رقيقة، لكن محدش فيهم بيعترف بصراحة بعد. عهد وصوفيا يلاحظوا الكيمياء ويضحكوا بخفة. عهد (بمزاح للثنائي):
خلّوا بالكم يا اتنين، مش كل يوم بنشوف روميو وجولييت بنكهة كافيه.

صوفيا (مترقبة):
أيوه! يا ريت يظهر بينكم مشهد درامي وموسيقى وتعليق سينمائي. المقابلة تمشي بين ضحك وحوار خفيف. بعدين سليم ينقل الموضوع لموضوع أشد جدية شوي— يسأل عن خطط اليوم. سليم (بهدوء وهو يبص للجميع):
طيب… إيه رأيكم نعمل جولة في السوق القديم بعد القهوة؟ فيه محلين نقدر نشتري منهم حاجات فنية للعيلة. ونعدي على المكتبة اللي جنبيها فيها قسم كتب إنجليزي — صوفيا هتحب. علا (موافقة فورًا):
فكرة حلوة. وأنا كده هوريكم مكان مخبأ لقهوة مخصوصة كده لازم تجربوها.

صوفيا (متحمسة):
Yes! I’m in. Let’s find the best baklava in town afterwards. سليم ينظر لعلا بعين فيها انتظار، وهي ترد بابتسامة توافق. الجو كله ودّي ومليان طاقة شابة؛ الناس حواليهم تمشي وبتضحك، والورود بتحركها نسمة هوا خفيفة. سليم (للعهد بنبرة حانية):
وحضرتك يا ست البنات، لو محتاجة أي حاجة من السوق قولي، أنا هكون الونش الرسمي. عهد (تمزح):
إنت وُنش؟ كويس… خلي بالك ماحدش يسرقنا من السوق.
********************
في غرفة معتمة في فيلا قديمة

الجو ثقيل، الإضاءة خافتة، والمكان مليان برائحة دخان السجائر وملابس متراكمة. قاسم جالس على كرسي خشب قديم، يعبث بخنجر صغير في يده وهو يبتسم ابتسامة باردة. ثريا واقفة أمامه، متوترة لكنها تحاول إظهار القوة. ثريا (بصوت خافت لكنها متحمسة):
اليوم هو الوقت المناسب يا قاسم… عهد وصوفيا خرجوا مع سليم وعلا، ولسه مش راجعين. يعني فرصتنا نتــ,,ـــــحرك من غير ما يشكوا فينا. قاسم (يرفع عينه عنها، ابتسامته مائلة):
هه… قلتلك من زمان، لازم نصيدهم برّه الفيلا. وسط الزحمة والناس، محدش هيفتكر مين شاف أو ما شاف.
(يتوقف قليلاً، يقلب الخنجر في يده)
لكن إنتي متأكدة إنهم مع بعض النهارده؟

ثريا (بثقة فيها بعض التحدي):
أكيد. عهد ما بتسيب صوفيا لحظة من ساعة ما وصلت من لندن. ودي فرصتي الذهبية… لما نختطفهم الاتنين مع بعض، مش بس مراد اللي هيتجنن، لكن مريم كمان. قاسم (بضحكة ساخرة):
مريم… أختك اللي فاكراكي ما تسواش قرش؟ ههه… دي هتنهار لما بنتها تختفي. ثريا (بغضب مكبوت):
بالظبط! أنا عايزاها تعيش نفس المرارة اللي عيشتني بيها لما فضحتني قدام الكل. هتصرخ، هتترجى، بس هكون أنا اللي ماسكة زمام الأمور. قاسم (يميل عليها للأمام، صوته غليظ):
طيب، قوليلي يا هانم… وبعدين؟ خطفنا عهد… وصوفيا. إيه خطتك معاهم؟

ثريا (تضحك بخــ,,ـــــبث):
عهد هتكون ورقة ضغط… مراد هيعمل المستحيل علشان ينقذها، وأنا هتفرج عليه وهو بيتعذب. أما صوفيا… عندك تجار بشر في القاهرة بيدفعوا دهب على البنات الأجانب. دي بنت لندن، جمالها غربي… هتباع بثروة. قاسم (عيونه تضيق، في باله خطة خاصة):
مثير للاهتمام… (يتظاهر بالتفكير) يعني إنتي عايزة فلوس وانتقام في نفس الوقت. ثريا (بحماس):
تمامًا. وأنا عارفة إنك تقدر تدبّر كل حاجة. قاسم (يضحك بخفوت وهو يطــ,,ـــــعن الخنجر في الطاولة):
طبعًا أقدر… أنا قاسم.
(يقف ببطء ويقترب منها)
لكن أوعي تفتكري إنك بتلعبي معايا. أنا بشتغل لمصلحتي.

ثريا (بتوتر تحاول تغطيه):
وإنت مصلحتك هتكبر لما تاخد عهد. هي مفتاحك للانتقام من مراد… مش كده؟ قاسم (يمسك ذراعها فجأة بقوة، يهمس):
بالظبط. عهد هتكون ليا… سواء إنتِ عايزة أو مش عايزة. ثريا تشد ذراعها وتبعد، لكن تحاول تخفي خوفها بابتسامة صفراء. ثريا (ببرود):
خدها… اعمل بيها اللي يعجبك. أنا يهمني صوفيا أكتر. قاسم (يرجع يقعد، عينه تلتمع بخــ,,ـــــبث):
تمام. أنا هجهّز رجالي، عربية سوداء من غير لوحات، واستناهم في الطريق بعد السوق. هخلي الموضوع كأنه دــ,,ـــــادث عادي، خطف سريع واختفاء.

ثريا (تهز رأسها):
ممتاز. (تتنفس بعمق) أخيرًا، هحس إن عندي قوة، مش مجرد ست الكل بيحتقرها. قاسم (يضحك بسخرية):
قوة؟! ههه… القوة مش بالكلام يا ثريا. القوة بالدم اللي بيتسفك.
(يصمت قليلاً، عيناه تلمعان)
بس متقلقيش… قريب جدًا، كلهم هيصرخوا بأسمك.
**************** النهار دافئ والشارع مليان ناس، المحلات معروضة بحاجاتها الملونة، وريحة القهوة الطازة والبهارات في الهوا. عهد وصوفيا وعلا ماشيين مع بعض بين المحلات، ضحكاتهم مالية الركن كله. كل حاجة طبيعية، حتى إن الناس حواليهم بتبص عليهم باعتبارهم مجموعة صاحبات مرحين.

علا (تمسح على صندوق مزهرية صغيرة):
بصوا إزاي القطعة دي هتبقى حلوة في أوضةك يا عهد! عهد (بتضحك وهي تمسك القطعة):
أيوه فعلاً… ونحط جنبها صورتنا في القعدة الليلة. صوفيا (بتدور بعينها على رفوف كتب إنجليزية في المحل اللي جمبه):
وبالمناسبة، لازم نشتري كام كتاب إنجليزي للمكتبة بتاعة البيت. أنا جايبا معايا كام عنوان جَميل من لندن. ضحك ونكتة هنا وهناك، الناس حواليهم بترجع لمهامها، الباعة بينادوا بأصواتهم، ونسيم خفيف يلّمس وراهم. كل حاجة شبه هادية لدرجة إن السعادة بتبان ملموسة.

فجأة — بصيص غريب يخترق الجو: كام شاب واقفين عند طرف الطريق، يتفرجوا. مفيش حركة ملفتة في الأول، بس في حاجة في وقفتهم بتخلي ظهر أي واحد في الشارع يقشعر: عيون مركزة ومش بتطبطب. علا (تلمحهم وتضحك بنبرة مازحة):
يا جدعان دول شكلهم وحوش مسرحية ولا إيه؟ صوفيا (بترد بمزاح):
يا ريت! بس خلينا متحركين شوية، أنا واثقة إن في محل كويس حوالينا لغير الحاجات اللي بتشوفوا.

لم تمضي ثواني حتى الجو اتقلب بسرعة مش طبيعية — أصوات خطوات سريعة، ضوضاء، ورا بعض البيبان اتفتحت. قبل ما حد يقدر يفهم إيه اللي بيحصل، مجموعة من الناس طلعوا من بين الأزقة بسرعة، تحركهم كان مُنظمًا لكن خاطف. لم يكن هناك المرور بطريق أو وصف مفصل — مجرد شعور بالضغط، والهواء اتشحن بالخوف. عهد شعرت بالدهشة قبل الخوف: واحد من الرجال لمّ على كتفيها، أصابعها لفتت في قماش جاكيته، وصوت علا صرخت:
— لأ؟! سيبوني! سيبوهم!

صوفيا حاولت تدافع، حاولت تصرخ، لكن يد مسكت فمها بسرعة، صوتها انقطع، والشارع لم يتوقف عن الدوران حواليهم. الناس اتفاجئت — في واحد من البياعين حاول يتقدم، اتدفع بعنــ,,ـــــف ووقع على الأرض. واحد من المارة رفع هاتفه يصور، لكن اتشوش الصوت، وحركة سريعة أخدت البنات باتجاه سيارة كبيرة جنب السوق. علا ماسكة إيد عهد بقوة، بصوت مخنوق:
— ولا يوم! هتسيبوني؟! عهد حاولت ترفع رجليها وتقاوم، لكنها حسّت إيدين ماسكتين من كل الجهات، وزنها يتحرك، ورائحة سولار عربية قريبة تدخل أنفها. المشهد كان عبارة عن وابل من حركات سريعة ووجوه مطموسة، والشارع كله اتلخبط.

صوفيا، اللي كانت دايمًا قوية ونتفة، سحبت نفس عميق وحاولت تنطق:
— أنا مش حد تتاجر فيه! اتركوني! لكن الصوت اتبلع بسرعة، وإيد جاية على فمها تمنعها. علا لسه بتحاول تبعدهم عن عهد، واحدة من الخاطفين مسكت شعرها من ورا ودفعتها بعنــ,,ـــــف. صرختها بلغت حد شديد وخبطت في جسم واحد من المارة لغاية ما اتدخل شاب من النور، حاول يعرقل واحدة من المجموعة لكنه اتدفع على الأرض وسمعته يتأوه.

في ثوانٍ معدودة، البنات اتجبن وسط ذهول الناس: بعضهم وقف متفرجًا مرعوبًا، واللي حاول يتدخل اتكسر عليه بخفة. رجل بائع شاي بعد ركن السوق صاح بصوت عالي:
— مين كده! مين بيمسك البنات دول؟! الصراخ خلّى كام واحد يتحرك، واحد جرى يدق على باب محل قريب، صاح:
— الشرطة! الشرطة! خطف! لكن قبل ما الجو يقدر يتجمع، السيارة الكبيرة فتحت بابها الخلفي، الرجال ركبوا البنات جوه بالقوة، وباب العربية اتقفل. العجلة بدأت تتحرك بسرعة والجميع ركز نظراته عليهم وهم يهربوا — ضجيج محركات، صراخ مختلط، وقلوب الناس تنبض بشدة.

عهد داخل العربية، حاولت تبص برة وتسلم عيونها على الوجوه اللي بتحرك بسرعة، شافت على بعد خطوات سليم الواقف عند باب محل بوهة — لكن كان بعيد جدًا لحد ما مداراه مايلين، زحمة الناس خافوا يتقربوا. عهد حاولت تنادي:
— سليم! سليم! لكن الصوت ضاع وسط الطبل. صوفيا، رغم اللي اتعمل معاها، ضمت إيد عهد بقوة وبصوت مكتوم همست:
— ما تخافيش… مش هيسيبونا. العربية اختفت في شارع جانبي بسرعة، وبدا الشارع واقف في صدمة. الناس متجمعة بتحاول تفهم اللي شافته، واحد من البياعين صرخ:
— حد يتصل بالفيلا! حد يتصل بالشرطة!

علا على الرصيف بتبص للسيارة وهي بتسرق بعيد، والعينين بتترمش من الدموع والصراخ، وأصوات الناس حواليها بتتحول لصدى بعيد. بتحاول تتلف على الأرض وتشد أي أثر للحذاء أو أي إشارة، لكن كل حاجة اتبددت بسرعة.

المشهد يقفل على لقطة: بائع شاي واقف مع تليفونه مرفوع، قاعد يتكلم بسرعة، صوتو مرتعش وهو يقول:
— ألو… ألو… إيه… إيه اللي حصل؟! اختطفوا البنات من السوق… من قدام المحل… العربية سوداء… بسرعة!
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*#عطر_الانتقام_و_الحب
#سيليا_البحيري
فصل 8
في مخزن قديم في أطراف القاهرة – الإضاءة خافتة، الجدران متسخة، ورائحة الرطوبة تملأ المكان.
تجلس عهد وصوفيا وعلا على الأرض، مقيدات الأيدي، وبجوارهن صندوق خشبي ضخم وبعض الأدوات الصدئة. أصوات خطوات بعيدة تتردد في المكان. فتحت عهد عينيها ببطء، رأسها يثقلها وكأن أحدهم طرقه بعنــ,,ـــــف. حاولت تحريك يديها لكنها وجدت نفسها مقيدة بحبل خشن يشق جلدها.

عهد (بصوت مرتجف):
“إيه… إيه اللي حصل؟! أنا… أنا فين؟” نظرت حولها بسرعة، فرأت صوفيا بجانبها مستلقية بوجهها الشاحب، وعلا أيضًا غافية، أنفاسها بطيئة لكنها مستقرة. عهد (تهمس لنفسها، وصوتها يعلوه الرعب):
“يا رب استر… يا رب… مين اللي عمل كده؟!” حاولت الاقتراب من صوفيا بجسدها وهي تزحف على الأرض رغم الحبال:
“صوفيا!… صحّي… قومي معايا، بالله عليكي.” لكن صوفيا لم تستجب، فقط تمتمت بكلمات غير واضحة وهي تحت تأثير المخدر.

أغمضت عهد عينيها لثوانٍ، تحاول تمالك نفسها، ثم عضت على شفتها حتى نزف الدم:
“لا… لا لازم أكون قوية. أنا السبب… أنا اللي جبت صوفيا وعلا هنا. مش هسامح نفسي لو حصل لهم حاجة!” سمعت عهد صوت خطوات تقترب أكثر، خطوات ثقيلة، وفتح باب حديدي بصرير مزعج.
انتفض قلبها بعنــ,,ـــــف، عيناها متسعتان وهي تحاول أن تبقى ساكنة. دخل رجلان ضخمـان، وجهيهما قاسيان، أحدهما يضحك ضحكة باردة:
“كويس… أول واحدة فاقت. شكلها الشجاعة عندها زيادة شوية.”

اقترب الآخر، يحدق في عهد بعيون غليظة:
“دي هي اللي قاسم موصي عليها… لازم تتعامل معاملة خاصة.” عهد شعرت بالغثيان من كلماته، لكنها رفعت رأسها بشجاعة رغم خوفها، وصوتها يرتجف:
“إنتو عايزين مننا إيه؟! سيبونا واطلبوا أي فلوس… عيلتي هتديكم اللي تطلبوه!” أطلق أحدهما ضحكة ساخرة:
“فلوس؟! الموضوع أكبر من فلوس يا عروسة.” عهد تجمدت ملامحها، دموعها بدأت تترقرق لكنها ابتلعتها بكرامة:
“إياد… يا رب إياد يلاقي مكانا.” وقبل أن يخرجا، التفت أحدهما وهو يقول للآخر:
“خلي بالك… لو صحي الباقيين، هتبدأ الحفلة بجد.”

أُغلق الباب من جديد بصوت صرير، وتركت عهد وحيدة مع خوفها، تتنفس بصعوبة وهي تنظر لصوفيا وعلا وتحاول جاهدة أن تفك الحبال بأسنانها.
********************
في نفس المخزن – الإضاءة الخافتة، الباب يُفتح بقوة، وصوت خطوات واثقة يقترب.
ظهر قاسم بثيابه الفاخرة، يضع عطراً قوياً يملأ المكان، ابتسامة مقززة على وجهه، وعيناه تلمعان بنظرة مهووسة. قاسم (وهو يبطئ خطواته متعمداً، ناظراً إلى عهد):
“وأخيراً… العروس اللي هزّت كيان قاسم. كنت عارف إن اليوم ده جاي… يوم أبصّ في عينيك من غير ما يوقفني أبوك المتعجرف ولا خطيبك الأهبل إياد.”

عهد (ترتجف لكنها ترفع رأسها بجرأة):
“إنت… إنت مقرف! عمري ما هبصلك، ولا حتى لو كنت آخر راجل في الدنيا.” ضحك قاسم ضحكة باردة، يقترب أكثر حتى بات على بعد خطوات منها.
قاسم:
“ده اللي عاجبني فيكي… لسانك النــ,,ـــــار. بس خليكي فاكرة يا عهد، النــ,,ـــــار بتتحول لرماد قدام اللي يعرف يطفيها.” في تلك اللحظة بدأت صوفيا تتحرك، عينيها تتفتحان ببطء، ملامحها مرتبكة. نظرت حولها برعب ثم شهقت:
“عهد! إيه ده؟!… فين إحنا؟!” عهد بسرعة:
“اهدّي يا صوفيا… متخافيش. أنا معاكي.”

لكن قبل أن تفيق صوفيا تماماً، ارتفع صوت علا وهي تصحو فجأة، وحين رأت قاسم أمامها شهقت بغضب، ثم بصقت في وجهه دون تردد:
“قرف! عمرك ما اتغيرت يا واطي! يا واد رخيص!” مسح قاسم البصقة ببطء من على وجهه، ولم يغضب بل ضحك ضحكة باردة:
“الله! لسه نفس الروح النــ,,ـــــارية يا علا؟ بصراحة… أنا بحترمك، عندك جُرأة أكتر من نص رجالة بلدك.” صوفيا، التي لا تعرف قاسم، نظرت له بصدمة:
“مين… مين ده؟! وشكله وســ,,ـــــخ كده ليه؟!”

قاسم التفت لها بابتسامة مغرورة:
“أنا يا عسل… أكبر عدو لعيلة البدراوي. والنهاردة… بقيت أكبر كابــ,,ـــــوس ليكم كلكم.” عهد صرخت بحدة:
“أنت تحلم لو افتكرت إنك تلمس شعرة مني يا قاسم! تحلم!” قاسم انحنى قليلًا، وجهه على مقربة من عهد وهو يتلذذ باستفزازها:
“أنا مش بس هلمسك يا عهد… أنا هخليكي مراتي. بالعافية؟ بالرضا؟ ده مش فارق… المهم إنك هتكوني بتاعتي.” صرخت صوفيا بغضب:
“You disgusting freak! Leave her alone!”
(أنت مقرف! سيبها في حالها!)

ضحك قاسم باستهزاء، ثم فجأة رفع يده وأشار نحوهم:
“على فكرة… تعرفوا إزاي وصلتوا لحد هنا؟ إزاي أنا، عدو العيلة من سنين، قدرت ألمسكم بإيدي من غير ما حد يوقفني؟” سكت لحظة، يتلذذ بتركهم في توتر، ثم أضاف وهو يغمز بعينيه:
“الموضوع مش دايمًا بييجي من برّه… ساعات الخيانة بتيجي من أقرب الناس.” علا اتسعت عيناها فجأة، فهمت بسرعة، وضحكت بسخرية:
“آه… البومة! مين غيرها؟! ثريا… الهانم اللي فاكرا نفسها ست القصور وهي أوطى من التراب!”

قاسم صفق ببطء، ابتسامة شيطانية على وجهه:
“براڤو يا علا… كنت متأكد إنك أذكى واحدة فيهم. بالظبط… الأم الحنونة ثريا هي اللي باعتكم. يا ترى لو عرفتوا ده… هتستحملوا تشوفوا وشها تاني؟” عهد صُدمت، جسدها ارتعش وهي تهمس بصوت مبحوح:
“مستحيل… مش للدرجة دي…” لكن صوفيا عضت شفتها، دموعها بدأت تنزل وهي تهتف:
“كنت حاسة! حسيت من أول يوم إن الست دي مش طبيعية!” قاسم ضحك بصوت عالٍ، صوته يتردد في جدران المخزن:
“المهم مش إنكم عرفتوا… المهم إيه اللي هيحصل بعدين. وصدقوني… مراد هيبوس إيدي علشان يرجّع بنته. وأنا هستمتع بكل ثانية.”

اقترب أكثر من عهد، يهمس قرب أذنها:
“استعدي يا عروسة… الجحيم لسه بيبدأ.”
********************* صوفيا (بصوت مبحوح، ودموعها تلمع على خدها):
“مستحيل… يعني معقول ثريا؟! للدرجة دي؟! أنا كنت فاكرة إنها شريرة… بس مش… مش للدرجة دي!” عهد (تغطي وجهها بيديها وهي تهز رأسها):
“لا… مش مصدقة… دي مرات عمي إيهاب! إزاي تعمل كده؟ إزاي تخون العيلة بالطريقة دي؟” علا (ترفع يدها فجأة لتوقفهما، بعصبية):
“بس! كفاية دموع وصدمة… مش وقت النحيب! لو قعدنا نعيط هنفضل هنا عبيد عند الوغد ده.”

صوفيا (تنظر إليها بارتباك، وصوتها يرتجف):
“طيب… نعمل إيه؟ إحنا مربوطين… والمكان ده شكله مقطوع… حتى لو صرخنا محدش هيسمعنا.” عهد (تتنفس بعمق، تحاول استجماع شجاعتها):
“علا معاها حق… لازم نلاقي حل. أنا مش هسمح أن قاسم ينال مني… ولا منكم.” علا (تبتسم بسخرية، رغم الوضع):
“دي عهد اللي أعرفها… قوية حتى في المصايب. بصوا… أول خطوة: نهدى. اللي خطفونا بشر زيّنا، يعني عندهم أخطاء. دايمًا في ثغرة.” صوفيا (تفكر بسرعة):
“يمكن… يمكن نكسر الحبال؟ أو نلاقي حاجة حادة حوالينا…”

علا (تفتش بنظرها في الغرفة):
“صح… أي حاجة. مسمار، قطعة خشب، حتى حجر. الحبال مهما كانت قوية هتتقطع مع الضغط.” عهد (تنظر حولها بلهفة):
“استنوا… هناك… شايفين الزاوية دي؟ في مسمار بارز من اللوح الخشبي.” صوفيا (بعيون متسعة):
“Yes! That might work!” (نعم! ده ممكن ينفع!) علا (بجدية):
“تمام. هنمشي واحدة واحدة لحد المسمار. اللي تتحرر الأول تساعد الباقيين.” عهد (بحزم):
“أنا هجرب الأول.” (تبدأ عهد بالتحرك بصعوبة، وهي تزحف على الأرضية الباردة، يديها مربوطة لكنها تحاول دفع نفسها ناحية الزاوية. صوفيا وعلا تشجعانها بصوت منخفض).

صوفيا:
“خدي بالك يا عهد… بلاش يجرحك.” عهد (تضغط على الحبل بالمسمار، تتألم):
“آخ… بيوجع… بس مش هوقف. لازم أقطعهم.” علا (بابتسامة خفيفة رغم التوتر):
“آهي دي بنت مراد اللي أعرفها. عنيدة، ومافيش حاجة توقفها.” (صوت احتكاك الحبل بالمسمار، بعد لحظات من المحاولة، الحبل يبدأ يضعف). عهد (بفرحة مكتومة):
“بيضعف! خلاص… قربت…”

انت في الصفحة 3 من 7 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0