“عاوز إيه طيب… لو إنت مش بتطالبني بحقك… عاوز إيه؟”
“يا بنتي افهمي بقى. أنا مليش حق عليكِ من غير رضاكِ بيا. ولو سمحتي اقفلي الموضوع ده. وافتحي النت… اطلبيلك فساتين وطرح، عشان كل الفساتين اللي جبتها طلعوا ضيقين عليكِ، ومينفعش تخرجي بيهم بره الأوضة. القصر مليان رجالة.”
رفعت عيني ناحيته، وحاجبي موصول من التكشيرة. مكنتش عارفة أنا بعمل إيه، بس لسه هتكلم فقال:
“اطلبي أي حاجة إنتِ عاوزاها… بس ما تطلبيش بناطيل.”
رفعت حاجبي. أنا أصلًا معظم لبسي بناطيل وبلوزات أو كارديجان طويل على بنطلون. الفساتين مش دايمًا بلبسها. لكن من ساعة ما جيت هنا، لبسي كله فساتين… لأنه ببساطة ما فيش غيرها في الدولاب.
“ممكن أفهم ليه؟
أنا مش برتاح في الفساتين أصلًا.”
“يبقى تتعودي ترتاحي.”
“ده كده إنت بتفرض حاجة عليا بالإجبار!”
“عشان إنتِ مراتي. مقبلش واحد يبصلكِ ولا يشوف تقسيمة جسمكِ. واحدة واحدة هتتعودي على الفساتين. ما فيش حاجة بتيجي من أول مرة. بس انسي إنكِ تلبسي أكتر من بنطلون بيجامة في أوضتكِ.”
بصيت له شوية، كنت بحاول أمسك ثغرة أخليه يتراجع، فقلت:
“على كده بقى… ده من غيرتك عليا؟ دي حاجة برضو أنا مش راضية بيها.”
“أيوه بغير عليكِ. إنتِ مراتي. واللي ما يغيرش على أهل بيته ما يستحقش كلمة راجل أصلًا. دي مش حاجة ترضي بيها أو ما ترضيش. دي حاجة ثابتة. إنتِ دلوقتي على ذمتي حتى لو شكلاً… يبقى مينفعش تخرجي غير وإنتِ مستورة.”
هو… الراجل ده إزاي كده؟
أي راجل لما تسأليه “إنت بتغير عليا؟”
يتهرب من الإجابة… يمكن ينكر.
لكن يوسف قالها صريحة في وشي!
مش عارفة فضل قاعد قدامي بيراجع كام ملف وأنا بطلب، لأنه مينفعش يسيبني مع الآيباد لوحدي، عشان ممكن أتواصل مع أي حد من أهلي أو صحابي… وده ممنوع. كنت شايفة عيونه كل شوية بتيجي على الشاشة. متأكدة مش عشان يشوف أنا بعمل إيه، لا… ده كان بيشوف أنا باختار إيه.
لحد ما وقفت على جيبة عجبتني أوي. رفع عيونه من الورق وقال:
“ما تطلبيهاش إلا لو هتقعدي بيها في أوضتكِ.”
بصيت له بعصبية وأنا بقول:
“ما هي واسعة أهي! ولا عشان لونها أحمر!”
أوكي… لونها ملفت. وأظن اللي بيضايق من الهدوم الضيقة، يضايق كمان من الألوان الملفتة. أنا شخصيًا مش بلبس ألوان كتير، بس أحيانًا باخد الريسك وألبس لون مختلف… زي الأحمر مثلاً.
“هي مش واسعة زي ما إنتِ متخيلة. وكويس إنكِ أخدتي بالك إن لونها ملفت.”
“لا، واسعة. إنت مش شايف واسعة إزاي على الموديل؟ أنا شايفاها مناسبة.”
“هي واسعة على الموديل… بس مش هتبقى واسعة عليكِ يا ورد. شوفي حاجة تانية.”
سكت لحظة أستوعب… بلعت ريقي بحرج، وخدودي احمرت من العصبية. وبلا أي مقدمات، وبجراءة معتادة مني، رميتله الآيباد وقلت:
“إنت حـيــ . ــوان وقليل الأدب… أنا مش عاوزة حاجة. ولو مضايق من الفساتين الضيقة… البس إنت واسع!”
فضل ساكت لثواني، وبعدين انفجر من الضحك بعفوية. بصلي بلطف وقال:
“أكيد مكنش قصدي كده.”
“لا… ده قصدك. واتفضل اطلع بره. أنا مش عاوزة حاجة منك.”
قام من مكانه وأخذ الحاجة وقال:
“أنا هخرج… بس مافيش خروج لكِ من الأوضة قبل ما أشتري لكِ فساتين واسعة.”
لسه كنت هرد، لكن باب الأوضة خبط، والسرير في وش الباب خلّاني أقوم من مكاني عشان يفتح. مجرد أمر من عيونه اتحركت فعلاً. ابتسم لما شاف ليلى أخته على الباب وقالت:
“فينك يا ابني؟ خالد قومني من السرير مخصوص عشان عاوزك.”
بص ليًّا بتحذير، وخرج من غير كلمة وقفل الباب وراه. ليلى قعدت على السرير مكانه قصاد ورق الشغل، وأنا قعدت قدامها.
“أخبارك إيه يا ورد؟
قولتي هتيجي تقعدي معايا ومش بتخرجي من أوضتك أصلًا.”
“مش عارفة… ممكن ننزل دلوقتي لو حابة.”
ابتسمت بحماس وفعلاً نزلنا وقعدنا نتكلم. كانت بتحكي عن نفسها وخالد جوزها:
“طب تعرفي… أنا وخالد مكناش بنحب بعض. أنا ماكنتش بحبه بصراحة. كان دايمًا بيدخل في حياتي: بكلم مين، رايحة فين؛ وعلى طول القصر كله سامع صوتنا. ولما اتقدم لي، القصر كله موافق البنت لابن عمها، مافيش واحدة منا بتتجوز برَّه عيلتها.
واتجوزته وأنا مش رافضة تمام الرفض، بس مش موافقة تمام الموافقة… والله ما أعرف إيه حصلي. خلفت صالح بسرعة جدًا عشان عرف العيلة وشوف اهتمامه مع خالد. كان هو هو خالد الغلس بس غلاسته حنينة بشكل؛ كان بيعد أنفاسه عشان ما يضايقش مني.”
كنت فاهمة نيتها الجميلة من إنّها تحكيلي كده، لكن كلامها حسسني بالذنب. رفعت عيوني ناحية يوسف اللي جاي من بعيد؛ وصل عندنا هو وخالد اللي انحنى ورا ليلى وباس خدها، وبعدها قعد وشدها في ح.ضنه. وصلت له المخدة اللي حدفها يوسف.
“اعمل اعتبار إني موجود.”
“جرى إيه يا عم… سبع سنين نفسي أخليك تستوعب إنها مراتي، وبعدين ما إحنا جوزناك روح بقى لمراتك وسبني أنا ومراتي لوحدنا…”
مكملش كلامه، ويوسف حدف عليه مخدة تانية وهو بيقوله:
“بلاش أقل منك قدام مراتك اللي انت فرحان بالكلمة وناقص تغنيها لي.”
قاعدوا ربع ساعة بيتناقشوا، وأنا مبتسمة على لطافة العلاقة، بس عقلي مشغول بحاجة وشخص مفروض يتمحوا من حياتي. كنا قاعدين ويوسف قاعد بعيد عني وبيرغي مع خالد وليلى، وصالح وسارة جم وقعدوا جنبي وقعدنا نتكلم لغاية ما جات بهية:
“حلوة جمعتكم يا ولاد… ربنا بس يبعد عنكم ولاد الـ…”
كانت بتقصدني، أنا عارفة ده. بس رغم أنها مستفزة، فعلاً ماكنش فارق معايا أبقى معاهم؛ عاوزة أرجع لحياتي، بس من جوايا عارفة إن ده مش هيحصل، فعايِشة بكذب على نفسي إن في يوم من الأيام هطلع من الحياة الغير مرغوبة دي. شُفت يوسف وهو بيتأفف على كلام مامته، وبعدي خلّى سارة تاخد صالح ويقوموا، فأمه قالت:
“عموما يا يوسف، عمك محمود جاي ومعاه تاليا ومراته كمان. ياريت ما تنمش بدري عشان جدك نفسه هيسهر معانا.”
ملامحه اتغيرت 180 درجة. مكنتش فاهمة هو اتعصب ليه، وكان خالد زفر بخنقة وقال… لقيته بصلي وبهدوء قال:
“ممكن نتكلم شوية لوحدنا؟”
بصيت باستغراب، وهزيت راسي، وقمنا بعدنا عنهم شوية. هو وقف قصادي بمسافة ما توترنيش، مش عارف إن وجوده نفسه بيوترني.
“بصي… أنا مش عاوزكِ تظهري قصاد محمود وتاليا خالص. ممكن تطلعي أوضتكِ وتقعدي مع سارة أو ترتاحي شوية لغاية ما السهرة دي تخلص.”
مش مرتاحة… حاسة كلامه صح، بس أنا شاكة في حاجة ولازم أتأكد منها.
“هو محمود ده… محمود الراوي؟”
“إنتِ تعرفيه منين؟ وإنتِ أصلًا عيلتكِ مقطعاينه.”
كنت هقع من طولي! مش معقول يكون هو… وشي بقى أصفر من الرعب والخضة. هزيت راسي بالعافية وقلت:
“تمام… هطلع الأوضة ومش هنزل تاني.”
“يا نهار أبيض يا يوسف، بنفسك واقف تستقبلني كده!”
اتنهدت وأنا بحاول أتمالك توازني لما سمعت صوت محمود الراوي على بُعد خطوات مننا وبيقرب من يوسف بحفاوة. بدون إدراك مسكت معصم يوسف قبل ما يرد عليه، وقربت منه شوية، فسألني بخضة:
“ورد، إنتِ كويسة؟”
“مالك يا عروستنا… تعبانة ولا إيه؟”
قرب قوي وبقى واقف جنبنا، عيونه بتتفحصني بقلق. من بعده وقفت تاليا وأمها بصين ليا بنظرات غريبة! كنت مرعوبة وبحاول أطمن نفسي، لكن لأول مرة يوسف رفع كفه ولمسني، مسح على خدي وجزء من جبهتي، ونطق بصوت كله قلق:
“ورد… حاسة بحاجة طيب؟ وجع، دوخة مثلاً؟”
هزيت راسي بـ “لا” وقلت:
“أنا كويسة، ما تقلقوش.”
دخلنا جوه، ويوسف بيسندني، وبيحاول محدش يلمسني أو يمشي ورايا. بعد خطوات بقيت كويسة وبعدت إيده عني، فقال:
“هطلعك فوق ترتاحي.”
“لا، أنا هخرج الجنينة أشم شوية هوا.”
هز راسه بضيق، وكنت شايفة في عيونه خوف حقيقي عليا. سبته ومشيت وفعلاً خرجت، وكنت واقفة قرب البوابة أتأملها. إزاي كنت قبلها؟ وإزاي بقيت بعدها؟ حتى أحلامي… اتقلعت من جذورها. أنا… بقيت متجوزة!
“ورد.”
لو كان للرعب صوت فدا صوته. التفت وأنا بتمنى أنه يكون شخص تاني، بتمنى إني أخيب مرة في صوته.
“ياسر! إنت بتعمل إيه هنا؟! إنت اتجننت؟”
قرب من جامد والغضــ . ــب على ملامحه؛ مش شايفة أي رقة وحنية من بتاعت زمان. كنت خايفة منه أكتر من خوفي منهم كلهم.
“الكلام بجد كده! أسيبك شهر يا ورد! نسيب بعض شهر، شهر واحد بس، ألاقيكِ متجوزة! ومن يوسف وهدان… كنتِ بتحبِيه أكيد، كنتِ وخداني كوبري عشان تعرفي أخباره!!!”
كنت رافعة إيدي في الهوا، بحاول أعمل إشارة عشان يهدى، لكنه كان بيقول كلام عقلي ميستوعبوش! دوّست على كلامه واتهامه، وكل همّي إنه يمشي. كنت خايفة عليه حتى وأنا عارفة إن علاقته بعائلة الصدّيق كويسة، بس كونه بيحب مرة ابنهم، مش هتكون العلاقة كويسة أبدًا.
“ياسر، افهمني… ممكن تمشي؟
كلامك ده ما يصحش لا في دين ولا في أصول. ممكن تمشي.”
لساني ارتجف؛ كنت هقول جوازِة غصب! أنا محدش غصبني على حاجة غير أهلي. فضل واقف وقرب مني بطريقته المريبة، مال ناحية وهو يمسك إيدي وباصص لعيوني وقال:
“بصيلي يا ورد، إنتِ مش بتكدبي أبدًا. قولي إنك لسه بتحبّيني… قولي إن ياسر لسه حبيبك الوحيد و…”
بعدت عنه بسرعة وسبت إيده. كنت مفكرة هيكون عاقل؛ إزاي يقول كده لوحدة متجوزة! حتى بعد كل ده، أنا على ذمّة رجل غيره، حتى لو قلبه لسه بيخاف عليه؛ مينفعش أنطق بكده. كانت غلطتي إنّي وقفت معاه. مشيت من قدامه من غير كلمة، فجاء ورايا وصوته عالي زي المجــ . ــنون ومسك إيدي أكتر قبل ما يقول أي حاجة. سمعت صوت يوسف الجهوري وهو بينطق:
“ياسر! ………… يتبع
“ياسر.”
إيدي اتزعزعت وبعدها بسرعة بعدت عن ياسر. في لحظة كان يوسف واقف جنبي — لا، يوسف كان قدامي بخطوة، شبه مخبيّني ورا كتفه العريض.
“چو… وحشني. بقى كده متقولش إنك اتجوزت، وكمان اتجوزت ورد الغريب!”
سبق بيها ياسر بعشم غريب، وابتسامته كانت مش صافية. ويوسف مش غبي عشان مايلحظش دا، فقال:
“طب ما أنت عارف إنها مراتي، بتمد إيدك تسلّم عليها ليه؟”
نفسي كان متقطع؛ مكنتش شايفة اتهام، دا كان تحقيق. عيون يوسف بتحاول تترجم الموقف، علشان كده وقعت جنب يوسف وانا بقول:
“كانت بسلم عليه، أصل… أصل أنا أعرف ياسر… من الكلية.”
كلامي متقطع ووشي باهت، ضـ,ـربات قلبي للسما — خايفة عليه الغبي! غبي وجاي برجله لهلاكه. معرفتي بغيرة رجالة الصدّيق تخليني أمـ,ـوت رعب على ياسر لو بس يوسف حس إنه بيرفع عيونه فيا!
“أسلّم عليه أنا بالنيابة عندك. ستات آل صدّيق ما بيسلموش على حد غير محارمهم.”
نبرته كانت شديدة، بس نظراته كانت متصلبة على ياسر. ومرة واحدة لف ذراعه ناحيتي وضمّني بهدوء وهو بيرفع إيده التانية وبيسلّم على ياسر. مكنش سلام، دا كان إعلان ملكية!
“أنت اتجننت… وأنت على فكرة مش قد كلامك… أنت قلت إنك مش هتلمسني.”
“لو على الجنّان… فأنتِ إزاي تمدّي إيدك لرجل غريب تسلّمي عليه! أولًا حرام، وثانيًا عدم احترام ليا.”
“أنت مالكش حق إنك تحاسبني يا يوسف.”
قولتها بصوت عالي وانا برفع راسي لطوله وببص له بغضــ . ــب. مش عارفة بحاول أوجّه غضــ . ــبه واشتّت دماغه أنه يفكّر في ياسر. لقيته قرب بزيادة، عيونه فيها غضــ . ــب مكتوب:
“يعني إيه مليش حق أحاسبك! رجل غريب عنك ولا إيه! إنتِ مراتي يا ورد، زي ما أنا مينفعش أروح أمسك إيد واحدة وأسلم عليها. ولو وقفت قصادي واحدة بلف ظهري لها، وبحترمك في غيابك قبل وجودك. إنتِ كمان واجب عليكِ تحترميني. اللي بيحصل بينا في الوضة دي مينسّكش إنك متجوزة يا ورد.”
“قصده إيه يعني… عايز توصل لإيه؟ عمال تغني إني مراتك.”
“اللي عاوز أوصّله إن مينفعش رجل يلمسك غيري. تفهمي إنك مراتي، أفهمك إيه… مينفعش تسلّمي على رجل، تتكلمي معاه لغير حاجة. إنتِ في حياتك رجل.”
نقاش حاد. دخل البلكونة وانا دخلت الحمام أهدى شوية. عشر دقايق وسمعت صوت كركبة برّه، فخرجت. كان بيدوّر على دواء الضغظ. جبته له وروحت عنده وبحاول ما أبصش في عيونه؛ عارفة إنه على حق في كل كلمة. أديته الدوا، فأخده وغمض عينه ورمى جسمه على السرير. اتخضّيت وانا بقعد جنب راسه وبناديله:
“يوسف… يو…”
“أنا صاحي… مغماش عليا أنا بس فصلت.”
فكرت أغمى عليه، بقيت أتعاطف معه شوية، فكرة إنه شاب، وعايش مربوط بمرض زي دا، وحياته كلها على ما يبدو إنها طحن وضغط فيه، فضل مغمض فترة طويلة وأنا قمت من مكاني بتوتر من كوني كنت قريبة فيها، فضل مكانه بيتنفس وجسمه نصه على السرير، عشان كده قمت أخذت اللحاف من الدولاب وقلت
” يوسف ”
” هممم ”
قالها وهو بيتعدل على مهل وماسك راسه وباين جدًا إنه دايخ ومصدع، وبعدين لما شاف في إيدي اللحاف قال
” حاضر … أنا داخل البلكونة ..”
” لا … ما هو أنا… أنت شكلك تعبان أوي، هنام أنا في البلكونة النهاردة وأنت نام على السرير ”
بعد الكلمتين المقطوعين قلت كل اللي في بالي مرة واحدة وبسرعة، سكت لحظة وابتسم بسخرية تقريبًا وهو بيقرب ناحيتي وبيقول
” دماغي مصدعة أوي ومش حمل مناهدة ”

