زهرة

اتجوز زهرة بنت عمك يا زين واستر عليها عشان عمك يرجع يقف على رجليه تاني. هو مش هيقوم من اللي هو فيه ده إلا لما يحس إن بنته اتسترت في بيتها . هي دي الطريقة الوحيدة يا ابني… دي الطريقة الوحيدة اللي عمك بيها ممكن يسترد صحته بعد الفضيحة اللي حصلت.

زين اتسمر مكانه. يتجوز زهرة؟ البنت اللي كانت زي أخته الصغيرة؟ وياخدها ويسافر؟ طلبها كان صاعقة تانية أكبر من كل اللي فات. كل اللي قدر يقوله بصوت مبحوح مش مصدق: “إيه اللي بتقوليه ده يا مرات عمي؟”زين بص في الأرض لحظات طويلة، صورت عمه وهو مكسور ومشلول ما غابتش عن باله. شاف سنين تعبه وشقاه عشان يكبرهم ويستر عليهم. كل اللي بناه بيتهد قدام عينيه، وده كان كفيل يهد أي حاجة جواه. حس بوجع في قلبه من اللي وصلوله. مفيش حل تاني، مفيش غير إنه يضحي عشان خاطر عمه.

رفع راسه وقال بصوت فيه مرارة بس كان حاسم: “أنا موافق يا مرات عمي.”

الكلمة دي نزلت على مرات عمه زي قطرة ماء في صحرا، شهقت وحـ,ـضنته وهي بتبكي أكتر: “ربنا يجبر بخاطرك يا ابني، ربنا يرضى عليك.”

*

كم ساعة عدوا زي سنين. المأذون جه، والقعدة كانت كئيبة. زين قاعد والضيق مالي وشه، بيبص لزهرة اللي كانت قاعدة جنبه زي التمثال، وشها أحمر من كتر العياط، والدموع نازلة من عينيها من غير ما تتكلم. كل ما يبصلها يحس بغضب مكتوم، مش قادر يصدق إن دي زهرة اللي يعرفها. ازاي كل ده حصل؟

لما المأذون قال “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، زهرة انتفضت، وطلعت منها كلمة واحدة يا دوب مسموعة وسط نحيبها: “والله العظيم انا مظلومة…”

زين ما سمعهاش كويس وسط ضوضاء الأوراق وهمسات الموجودين، لكن الكلمة اخـ,ـترقت صمته الداخلي. “إيه؟” سأل نفسه، بس المأذون كان بيكمل باقي الإجراءات. زهرة كانت بتبص في الأرض، وعينيها بتقول حكايات ألم، لكن شـ,ـفايفها ما نطقتش غير الكلمة دي، اللي اختفت في صمت الأوضة الحزين. هو وقع على الورق، إمضاء واحد بس غير حياتهم كلهم.زين مابقاش فاهم أي حاجة، الدنيا كلها اتقلبت فوق دماغه. مسك أعصابه بالعافية ووافق على طلب مرات عمه اللي كان أقرب للأمر منه للرجاء. جهز نفسه، وجهز زهرة اللي كانت لسه في صدمتها وبتعيط بس، ومفهمش منها أي حاجة غير كلمة “مظلومة” اللي كانت بترددها زي المجنونة.

طول الطريق للقاهرة ، العربية كانت ساكتة وصوت عياط زهرة المكتوم هو الوحيد اللي كان مالي الجو. زين كان سايق وهو بيكز على سنانه، الغضب جواه كان بيغلي. كل ما يسمع نحيبها الخافت، أو كلمة “مظلومة” اللي كانت بتطلع منها بالعافية، كان بيفتكر وش عمه المكسور، وصوت مرات عمه وهي بترجوه.

كان رافض تماماً يسمعلها. أي كلمة كانت ممكن تقولها كانت بتترجم عنده لغيـ,ـرة وشعور بالخـ,ـيانة. ازاي بنت عمه، اللي كانت تحت عينيه، تعمل كده؟ ازاي تحط راس عمهم في الطين بالمنظر ده؟ مفيش أي مبرر. كل اللي كان عايزه هو الصمت، يمكن الصمت يطفي النار اللي جواه. هي كانت بتبص له بعينيها اللي غرقانة في الدموع، وكأنها بتترجاه يديها فرصة تتكلم، يديها فرصة تدافع عن نفسها، بس هو كان باصص للطريق قدامه، مصمم إنه مش هيفتح مجال لأي حوار. مش دلوقتي. ولا يمكن أبداً.وصلوا قدام الفيلا الكبيرة اللي عايش فيها بالقاهرة. زين وقف العربية ومطفيش الموتور، فضل ساكت كام دقيقة، كأنه بيجمع شتات نفسه أو بيفكر في المصيبة اللي بقت لازقة فيه. زهرة كانت لسه بتعيط بصمت، خايفة ترفع راسها وتبص له.

بص ناحيتها بنظرة كلها غضب واشمئزاز، عينيها كانت حمرا ومورمة، بس نظراته كانت حادة زي السـ,ـكين. صوته طلع ناشف ومقرف: “اسمعي كويس اللي هقولهولك ده يا زهرة. هنا في القاهرة، مفيش أي حد هيعرف إنك مراتي. انتي هتبقي الخدامة الجديدة اللي جاية من البلد عشان تشتغل في الفيلا. فاهمة؟”

زهرة رفعت وشها بصدمة، الدموع وقفت في عينيها للحظة. “خدامة؟” قالتها بصوت خافت، كأنها مش مصدقة اللي سمعته.

“أيوه، خدامة. وهتسمعي الكلام اللي يتقال بالظبط. ولا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة. وحسك عينك حد يعرف الحقيقة. لو ده حصل، وحياة عمي اللي بقى في الحالة دي بسببك، لهتشوفي وش زين اللي عمرك ما شفتيه. مفهوم؟” كمل كلامه، ونبرته كانت بتتوعد، وعنيه بتوعد بالأسوأ لو ما سمعتش كلامه. نظراته كانت بتخترقها، بتخليها تحس إنها ولا حاجة، مجرد وصمة عار.زين نزل من العربية ورزع الباب وراه، وزهرة نزلت وراه بخطوات بطيئة، حاطة وشها في الأرض زي ما يكون بتعد تراب الأرض اللي ماشية عليه. حست بنظراته اللي بتلسعها في ضهرها، كأنه عايز يحرقها من مكانها.
زين دخل الفيلا الكبيرة وهو بينادي بصوت عالي: “يا سنية! يا سنية!”

سَنِيّة، مديرة الشغل في الفيلا واللي كانت كبيرة في السن، طلعت تجري على صوته. “أيوة يا بيه، حمد الله على السلامة.”

زين بص على زهرة اللي كانت واقفة بعيد شوية، كأنها خيال، وقال بصوت عالي ومسموع، وكأنه قاصد كل كلمة توصل لمسامعها: “دي زهرة، خدامة جديدة جبتها من البلد. هتشتغل معاكم هنا. وريها شغلها وقوليلها على كل حاجة.”

الكلمات دي كانت زي السكاكين اللي بتغرز في قلب زهرة. حسيت إن روحها بتتسحب منها مع كل حرف….

واضح ان زهرة مظلومة فعلا ووراها حكايات زين ميعرفهاش.. ايه الحقيقيه وزين ازاي هيكتشف ان زهرة مظلومة ولسه بنت مفيش حد لمسها؟

البداية

صوت رنة تليفونه اخترق صمت قاعة الاجتماعات المليانة بالتوتر، وسط كلامه المهم عن آخر صفقة. “أسف جداً يا جماعة، دي مكالمة طارئة”، قالها وهو بيبتسم باعتذار للأجانب اللي قاعدين قصاده، وعينيه على اسم “مرات عمي” اللي نور الشاشة. قلبه انقبض، عارف إنها مش بترن كده في نص اليوم إلا لو فيه مصيبة.

رد بصوت هادي: “ألو يا مرات عمي، فيه إيه؟”

الرد كان شهقة مكتومة وبكاء متقطع. “الحقنا يا زين! عمك… عمك اتشل… اتشل يا ابني!”

زين قام من مكانه بسرعة، النظرات كلها عليه، بس كأنه ما شافش حد. “إيه؟ إيه اللي حصل؟ عمي ماله؟” صوته بدأ يعلى والخوف بان عليه.

الست صرخت بصوت موجوع ومتقطع: “بنت عمه… زهرة… فضحتنا يا زين! غلطت مع واحد… وحامل… وعمك لما عرف… ما استحملش.

زين حس إن الدنيا بتلف بيه، هو زهرة اللي كانت طول عمرها بنت هادية ومحترمة ومتربية في بيئة محافظة تعمل كده؟ ده مستحيل! عقله رفض يصدق.

“زين يا ابني، ارجع لينا بسرعة، ارجع… ماليش غيرك يا ضنايا! البيت هيتخـ,ـرب!” صوت مرات عمه كان بيستنجد بيه وكأنه الغريق بيتعلق بقشاية.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0