“حاضر يا مرات عمي، أنا جاي حالاً. دلوقتي… حالا.” قفل السكة وهو في حالة صدمة. الاعتذارات للأجانب اختفت من باله تمامًا. كل اللي فكر فيه إنه لازم يرجع. لم شنطته في دقايق معدودة وحجز أول طيارة للبلد.
لما وصل، البيت كله كان كئيب ومكسور. دخل أوضة عمه اللي كانت دايماً مليانة بالضحك والبهجة، لقى عمه نايم على السرير، نص جسمه مش بيتحرك، وعينيه فيهم نظرة كسـ,ـرة وقهـ,ـر ما شافهاش في حياته. شاف عمود البيت وهو مهدود، والراجل اللي كان سند وسند للكل بقى عاجز. قلبه وجعه أوي على المنظر ده. الصدمة كانت أقوى بكتير من مجرد مكالمة تليفون.مرات عمه، وشها شاحب وعينيها وارمة من العياط، قربت منه بعد ما خرج من أوضة عمه. مسكت إيده وهي بترجف وقالت بصوت مكسور يا دوب بيطلع: “زين… يا ابني، أنا عارفة إن اللي هطلبه ده صعب… بس مفيش غيرك يقدر ينقذنا من المصيبة دي.”
زين بصلها باستغراب، حس إن فيه كلام أثقل من اللي اتقال لسه هيتقال. “فيه إيه يا مرات عمي؟ قوليلي على طول.”
أخدت نفس عميق بالعافية وقالت والدموع مالية عينيها: “تتجوز زهرة يا زين… وتستر عليها. تاخدها وتسافر بعيد… أي حتة غير البلد دي. عشان الفضيحة… وعشان عمك يرجع يقف على رجليه تاني. هو مش هيقوم من اللي هو فيه ده إلا لما يحس إن بنته اتقدرت ومستقبلها لسه موجود. هي دي الطريقة الوحيدة يا ابني… دي الطريقة الوحيدة اللي عمك بيها ممكن يسترد صحته.”
زين اتسمر مكانه. يتجوز زهرة؟ البنت اللي كانت زي أخته الصغيرة؟ وياخدها ويسافر؟ طلبها كان صاعقة تانية أكبر من كل اللي فات. كل اللي قدر يقوله بصوت مبحوح مش مصدق: “إيه اللي بتقوليه ده يا مرات عمي؟”زين بص في الأرض لحظات طويلة، صورت عمه وهو مكسور ومشلول ما غابتش عن باله. شاف سنين تعبه وشقاه عشان يكبرهم ويستر عليهم. كل اللي بناه بيتهد قدام عينيه، وده كان كفيل يهد أي حاجة جواه. حس بوجع في قلبه من اللي وصلوله. مفيش حل تاني، مفيش غير إنه يضحي عشان خاطر عموده الفقري اللي انكسر.
رفع راسه وقال بصوت فيه مرارة بس كان حاسم: “أنا موافق يا مرات عمي.”
الكلمة دي نزلت على مرات عمه زي قطرة ماء في صحرا، شهقت وحضـ,ـنته وهي بتبكي أكتر: “ربنا يجبر بخاطرك يا ابني، ربنا يرضى عليك.”
كم ساعة عدوا زي سنين. المأذون جه، والقعدة كانت كئيبة. زين قاعد والضيق مالي وشه، بيبص لزهرة اللي كانت قاعدة جنبه زي التمثال، وشها أحمر من كتر العياط، والدموع نازلة من عينيها من غير ما تتكلم. كل ما يبصلها يحس بغضب مكتوم، مش قادر يصدق إن دي زهرة اللي يعرفها. ازاي كل ده حصل؟
لما المأذون قال “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، زهرة انتفضت، وطلعت منها كلمة واحدة يا دوب مسموعة وسط نحيبها: “مظلومة…”
زين ما سمعهاش كويس وسط ضوضاء الأوراق وهمسات الموجودين، لكن الكلمة اخترقت صمته الداخلي. “إيه؟” سأل نفسه، بس المأذون كان بيكمل باقي الإجراءات. زهرة كانت بتبص في الأرض، وعينيها بتقول حكايات ألم، لكن شـ,ـفايفها ما نطقتش غير الكلمة دي، اللي اختفت في صمت الأوضة الحزين. هو وقع على الورق، إمضاء واحد بس غير حياتهم كلهم.زين مابقاش فاهم أي حاجة، الدنيا كلها اتقلبت فوق دماغه. مسك أعصابه بالعافية ووافق على طلب مرات عمه اللي كان أقرب للأمر منه للرجاء. جهز نفسه، وجهز زهرة اللي كانت لسه في صدمتها وبتعيط بس، ومفهمش منها أي حاجة غير كلمة “مظلومة” اللي كانت بترددها زي المجنونة.
طول الطريق للعاصمة، العربية كانت ساكتة وصوت عياط زهرة المكتوم هو الوحيد اللي كان مالي الجو. زين كان سايق وهو بيكز على سنانه، الغضب جواه كان بيغلي. كل ما يسمع نحيبها الخافت، أو كلمة “مظلومة” اللي كانت بتطلع منها بالعافية، كان بيفتكر وش عمه المكسور، وصوت مرات عمه وهي بترجوه.
كان رافض تماماً يسمعلها. أي كلمة كانت ممكن تقولها كانت بتترجم عنده لغيرة وشعور بالخـ,ـيانة. ازاي بنت عمه، اللي كانت تحت عينيه، تعمل كده؟ ازاي تحط راس عمهم في الطين بالمنظر ده؟ مفيش أي مبرر. كل اللي كان عايزه هو الصمت، يمكن الصمت يطفي النار اللي جواه. هي كانت بتبص له بعينيها اللي غرقانة في الدموع، وكأنها بتترجاه يديها فرصة تتكلم، يديها فرصة تدافع عن نفسها، بس هو كان باصص للطريق قدامه، مصمم إنه مش هيفتح مجال لأي حوار. مش دلوقتي. ولا يمكن أبداً.وصلوا قدام الفيلا الكبيرة في القاهرة. زين وقف العربية ومطفيش الموتور، فضل ساكت كام دقيقة، كأنه بيجمع شتات نفسه أو بيفكر في المصيبة اللي بقت لازقة فيه. زهرة كانت لسه بتعيط بصمت، خايفة ترفع راسها وتبص له.
بص ناحيتها بنظرة كلها غضـ,ـب واشـ,ـمئزاز، عينيها كانت حمرا ومورمة، بس نظراته كانت حادة زي السـ,ـكين. صوته طلع ناشف ومقرف: “اسمعي كويس اللي هقولهولك ده يا زهرة. هنا في القاهرة، مفيش أي حد هيعرف إنك مراتي. انتي هتبقي الخدامة الجديدة اللي جاية من البلد عشان تشتغل في الفيلا. فاهمة؟”
زهرة رفعت وشها بصدمة، الدموع وقفت في عينيها للحظة. “خدامة؟” قالتها بصوت خافت، كأنها مش مصدقة اللي سمعته.
“أيوه، خدامة. وهتسمعي الكلام اللي يتقال بالظبط. ولا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة. وحسك عينك حد يعرف الحقيقة. لو ده حصل، وحياة عمي اللي بقى في الحالة دي بسببك، لهتشوفي وش زين اللي عمرك ما شفتيه. مفهوم؟” كمل كلامه، ونبرته كانت بتتوعد، وعنيه بتوعد بالأسوأ لو ما سمعتش كلامه. نظراته كانت بتخترقها، بتخليها تحس إنها ولا حاجة، مجرد وصمة عار.زين نزل من العربية ورزع الباب وراه، وزهرة نزلت وراه بخطوات بطيئة، حاطة وشها في الأرض زي ما يكون بتعد تراب الأرض اللي ماشية عليه. حست بنظراته اللي بتلسعها في ضهرها، كأنه عايز يحرقها من مكانها.
صفحة الكاتبة ملك إبراهيم
زين دخل الفيلا الكبيرة وهو بينادي بصوت عالي: “يا سنية! يا سنية!”
سَنِيّة، مديرة الشغل في الفيلا واللي كانت كبيرة في السن، طلعت تجري على صوته. “أيوة يا بيه، حمد الله على السلامة.”
زين بص على زهرة اللي كانت واقفة بعيد شوية، كأنها خيال، وقال بصوت عالي ومسموع، وكأنه قاصد كل كلمة توصل لمسامعها: “دي زهرة، خدامة جديدة جبتها من البلد. هتشتغل معاكم هنا. وريها شغلها وقوليلها على كل حاجة.”
الكلمات دي كانت زي السكاكين اللي بتغرز في قلب زهرة. حسيت إن روحها بتتسحب منها مع كل حرف. نظرة سنية ليها كانت نظرة عادية، نظرة عاملة لزميلة ليها، لكن في عيون زهرة كانت نظرة احتقار عالمية. الدموع اللي كانت بتحاول تحبسها، نزلت تاني بصمت، حرقت وشها المجهد.
سنية هزت راسها وقالت: “حاضر يا بيه. تعالي يا بنتي معايا.”
زهرة ما رفعتش راسها، بس مشيت ورا سنية زي الطفلة التايهة، خطواتها كانت بتجر وراها ألم الدنيا كله. كل ما بتبعد، بتحس إنها بتفقد أكتر وأكتر من نفسها، وبتتأكد إن “مظلومة” دي كلمة محدش هيسمعها ولا يصدقها أبداً.عدى شهر، وكل يوم كان بيعدي على زهرة كأنه سنة. حياة الخدامة الجديدة كانت صعبة ومُهينة، خصوصًا لما كانت كل تفصيلة فيها بتفكرها بحياة تانية كانت عايشاها كبنت عم زين، مش مجرد “زهرة الخدامة”. كانت بتصحى بدري، تعمل شغل البيت، وتنام وهي بتعيط بصمت كل يوم، كلمه “مظلومة” بقت زي ترنيمة حزينة جواها. زين كان بيتجنبها تمامًا، وكأنها شبح، ونظراته لو صادفها كانت دايماً باردة ومُنفّرة.
في يوم، سنية قالت لها إن الفيلا النهاردة هتكون مقلوبة، عشان فيه حفلة كبيرة زين عاملها لشركة بتوعه، وهي لازم تساعد في التجهيزات والتقديم. الحفلة دي كانت اختبار حقيقي ليها.
لبست زهرة زي الخدم الموحد، الفستان الأسود الطويل والمريلة البيضا، حسّت إنها اتقطعت عن هويتها القديمة تماماً، بقت مجرد جزء من ديكور الفيلا. بالليل، بدأت الفيلا تتحول لقاعة استقبال فخمة، أضواء وديكورات وموسيقى هادية.
المعازيم بدأوا يجوا، زهرة كانت بتتحرك بينهم بسرعة، بتقدم المشروبات والأطباق وهي بتحاول متلفتش أي انتباه ليها. وفجأة، عينها وقعت عليه. زين.
كان واقف وسط مجموعة من رجال الأعمال، لابس بدلة سودا شيك أوي، وشعره متسرح بعناية، وسامته كانت بتخطف الأنفاس. الابتسامة المهذبة اللي كانت على وشه وهو بيتكلم كانت بتضوي المكان، وبتخلي كل اللي حواليه ينجذبوا ليه. كانت بتبص عليه من بعيد، وهو مش دريان بيها، قلبه فجأة دق بطريقة غريبة. رغم كل الوجع والغضب اللي سببهولها، سحره ووسامته خلوا قلبها يتأرجح، للحظة نسيت كل حاجة وحست إنها بتنجذب ليه زي الفراشة للنور، سحره كان قوي لدرجة إنها حست بلمعة في عينيها.وفي عز ما قلب زهرة كان بيرفرف لزين اللي كأنه نجم ساطع وسط الحفلة، ظهرت بنت زي القمر. كانت لابسة فستان سهرة أحمر يبرز جمالها، ولفتت الأنظار كلها بمجرد دخولها. خطت خطوات واثقة وراحت لزين مباشرةً، حطت إيدها في دراعه بدلال وثقة كأنها صاحبة المكان، وابتسامة واسعة زينت وشها. زين ابتسم لها هو كمان وبادلها الكلام، وكأن وجودها كان طبيعي ومألوف.
زهرة شافت المشهد ده بعينيها، وهي بتقدم طبق مالح لأحد الضيوف. قلبها اللي كان لسه بيدق على وسامة زين، حس إنه بيتقطع. مين دي؟ وايه مكانتها في حياة زين؟ الأسئلة دي دارت في بالها وهي بتحاول تكتم غيرتها اللي بدأت تشعل قلبها.
لكن في نفس الوقت، كان فيه عيون تانية متابعة زهرة في صمت. أياد، صاحب زين المقرب وشريكه في الشغل ورجل أعمال مرموق زيه بالظبط، كان واقف في ركن هادي بيراقبها. كانت لسه بتتحرك بين الضيوف بزي الخدم الموحد، لكن كانت بتشع ببراءة ورقة خطفت عينه. لاحظ حركتها الهادية، عينيها اللي كانت بتلمع رغم الحزن، وشكلها اللي كان مختلف عن أي بنت شافها في المجتمع ده. عجبه فيها شيء غامض، وكان فضوله بيزداد معاها كل ثانية. تابعها بنظراته الذكية والنافذة، وكأنه بيشوف جوهرة مخبأة وسط كومة رمل.الحفلة كانت شغالة على ودنها، والمشروبات بتدور على الكل. أياد، اللي كان بيشرب زيادة عن اللزوم، عينيه فضلت تتابع زهرة لحد ما شافها داخلة المطبخ عشان تجيب طلب جديد. الشرب كان عمل شغله فيه، مخه كان فصل، وراح وراها بخطوات مش متزنة.
زهرة كانت بتلم الأطباق وهي سرحانة، لما حست بحد وراها. لفت وشها بسرعة لقت أياد واقف وراها بالظبط، وعينيه لمعتها غريبة. قلبها اتنفض، حاولت تبعد خطوة لورا، لكن هو كان أسرع. مد إيده ناحيتها، حاول يلمسها، وهي رجعت لورا بخوف.
“إيه اللي بتعمله ده يا أستاذ أياد؟!” قالتها بصوت خافت فيه رجفة.
هو ما ردش، حاول يقرب أكتر، يلمس وشها. زهرة اتجمدت من الرعب، حست إن الخطر حقيقي وقريب. صرخت صرخة عالية، اخترقت صوت الموسيقى والضحكات، صرخة كلها خوف ورعب.
صوت الصرخة العالية خلا كل اللي في الفيلا يتسمروا في مكانهم. الموسيقى وقفت، والكل بص ناحية مصدر الصوت. زين، اللي كان بيتكلم مع البنت الجميلة، اتخض وجري على جوه بسرعة، قلبه اتقبض إحساس مش حلو.
دخل المطبخ لقى زهرة واقفة بتترعش، والدموع مغرقة وشها، وأياد ماسك وشه اللي بينزف دم من مناخيره.
زهرة أول ما شافته جريت عليه، حـ,ـضنته وهي بتترعش وبتعيط هستيري، كأنها بتتحامى فيه من وحش كاسر.
أياد بص على زين بغضب، صوته كان متقطع وهو بيقول: “البنت دي… البنت دي مش كويسة يا زين! كانت عايزة تعمل معايا علاقة، ولما رفضت، ضـ,ـربتني في وشي!”
كلماته نزلت على زين زي صاعقة، خصوصًا إنه حاسس بذنب تجاه أياد. بص لزهرة اللي كانت لازقة فيه وبتعيط، الغضب والحيرة كانوا بيتعاركوا جواه.زين بصلها بصدمة، كلام أياد رن في ودانه زي الجرس. ازاي يتجرأ أياد يقول كلام زي ده؟ وفجأة، الشك القديم، الفضيحة اللي هرب منها، كلها رجعت تضـ,ـرب في دماغه زي المطارق. بص لزهرة اللي لسه ماسكة فيه وبتعيط، كأنها بتستنجد بيه، بس في عينيه ما بقاش فيه غير غضب أعمى.
“مش كويسة؟” الكلمة كانت بتردد في راسه وهو بيبص لها باشمئزاز. “أنا اللي صدقتك، أنا اللي سترت عليكي… عشان في الآخر تطلعي زي ما كنتي متهمة بالظبط!”

