الجنان1

أخذت دش واتفاجأت أن حتى أنواع الشامبو اللي بستخدمها موجودة، وخرجت بهدومي تاني من القلق، لكن مكنش له أثر في الآوضة. فتحت الدولاب وكانت فيه هدوم ليا مع هدومه؛ كانت بيجامات ألوانها هادية، ألواني المفضلة. مكنتش فاهمة، مش غبية عشان أقول صدفة، بس دي حاجات محدش يعرف عنها. أنا بمـ,ـوت في اللون الأسود لكن مين يعرف إني بلبس بينك في البيت وبحبه!

مترددة أخرج بيجامة، عشان كده طلعت فستان بسيط من هدوم الخروج، بحيث إنه بكم وطويل، ولفة حجاب سريعة، وبعدين فضلت قاعدة. هل المفروض أفتح الباب؟
أخرج مثلاً؟
ولا أكون مطيعة وأقعد مكاني؟
بس مافيش حد قال أي حاجة عشان أطيعه فيها. قعدت أدور على موبايلي، فتحت الباب، كان قصاد الآوضة فاضي، لكن الصوت تحت واضح وكمان آخر مرة في صوت قوي:

“أنت مش قاعد عند مراتك ليه؟
خارِج من أوضتك دلوقتي ليه؟”

“يا أبويا افهمني، أنا طوعتكم في كل دا عشان يبقى ليا فرصة تاني أعيش حياة مختلفة، وإن هي تاخد فرصة تعيش من غير قلق وعـ,ـداوة. أنا مش هغصبها على حاجة مينفعش تيجي إلا برضاها.”

“تِتغصب ورَجلها فوق رقبتها كمان، مش هيجي اللي يضيع اسمنا على آخر الزمن!”

“محدش هيمس شعره منها طول ما أنا موجود.”

كان يوسف وأبوه أعتقد، كلامه يطمن، لكني خفت أكتر وشكيت أكتر، والرعشة زادت أكتر. لما بتكون متوقعة سينــ . ــاريوهات كتير بنهايات أبشع من بعض، ويحصل حاجة مختلفة تمامًا، بتحس إنك فقدت الرؤية، سيطرتك على الأحداث فقدتها. بقيت قاعد منتظر إيه هيحصل، والانتظار أثقل وأصعب الأشياء على القلب.

اتزعزعت بقوة لما اتنطق اسمي بنبرة صوت خشنة لكن الحنين ساكنها من سنين:

“ورد هارون.”

لفيت ناحيةه، كنت متوترة خايفة، لكن تمالكت نفسي وأنا بحاول استوعب، من الوصف اللي سمعته عن الهيبة والهيمنة، القوة. أنا حاليًا قصاد هارون آل صدّيق، الحبيب الولهان اللي أعجبت به من كتابات جدتي عنه. أنا أعرفه، أعرفه كويس كمان.

“أيوة أنا ورد.”

“عارف إنك ورد يا بنتي… عارف.”

نبرته غريبة؛ نطقته لكلمة “بنتي” كان مزيجًا بين الحسرة والحنين، وحنية مش طبيعية في عيونه وهو بيبص لي، حنية حزينة لكنها بتوصل للقلب وتطبطب على وجعك. فضلت ساكتة، رعشة جسمي هدأت، وهو اتقدم ناحيةي وبلا سبق إنذار باس جبيني وحاوط كتفي وقال:

“نورتي بيتك يا ست البنات.”

رعشة أقوى بكتير، مسرى كهرباء في دمي من كلامه، بعد عني خطوات بسيطة، وقبل ما أتكلم سمعت صوت يوسف من ورايا:

“آنسة ورد… أنتِ محتاجة حاجة؟”

صوته هو بالذات بيلخبطني؛ لا بعرف أحدد مشاعره ولا هدفه. هدوء بس، هدوء مريب جدًا. جسمي اتنفض من ضـ,ـربة عكاز هارون على الأرض وهو بيقول بنبرة مهيمنة قوية:

“مين بيقول لمراته يا آنسة ورد؟ اسمها ورد هارون آل صديق دلوقتي، وحرمك. إياكم أسمع كلمة (آنسة) دي، وإياكم أسمع ورد هارون الغريب!”

قالها وكلماته الأخيرة كانت بعصبية رعبتني، كإن إعصار بيهدد بالانفجار على هيئة حروف. أنا فهمته؛ هو بيلغي صلتي بآل غريب، اللي هو جدي، الرجل اللي أخد حبيبته منه على حياته، وماتت بسببه على حياته. كلمات جدتي بترن في بالي عليه:

“إعصار مفاجئ، يخرج من شفتاه، يهدد بالدمار الشامل. كل هذا كان يحدث عند ذكر اسم آل غريب أمامه أو حوله، أو حتى في بيته. ذلك الرجل الذي أحسبه من فرط ثباته وقوته جذع نخيل لا يتزعزع، يأتي اسم واحد يجرده عن كل شيء ولا يبقى فيه غير إنسان ممزوج بالغضــ . ــب… لا، حبيب ممزوج بالغضــ . ــب، فإن غضــ . ــب الحبيبِ أشد.”

العاصفة انتهت، وهارون دخل مكتبه، نفس المكان اللي خرج منه يوسف وبقى فيه أبوه. كنت أنا ويوسف لوحدنا، وكرر سؤاله:

“محتاجة حاجة؟”

رفعت عيوني ليه، كنت عاوزة أقوله: محتاجة أعرف وأفهم، محتاجة ألاقي سبب، محتاجة أستوعب إن اسمي بقى محرم عليا نطقه، وإني محتارة فيكم؛ بيت يخلي الخايف مطمئن، والمطمئن يخاف منكم!

“يوسف…”

صوت نسائي واضح، يمكن لواحدة في أواخر الأربعينات. مكنتش عاوزة ألف ظهري، لكن كنت عاوزة أعرف مين صاحبة الصوت، وهل مكتوب عنها في مذكرات جدتي؟

“واقف هنا ليه؟ بتتساير معاها كأنها عروسة بجد! خلص واجبك يا يوسف، و….”

“ورد، ممكن تدخلي أوضتك.”

قطع كلامها بنبرته القوية، عالية وآمرة. مش عارفة إزاي استجبت ودخلت الأوضة فعلًا اللي على بعد شوية خطوات من مكانهم. قفلت الباب، والصوت انعزل تمامًا، مكنتش دريانة إيه بيحصل بره.

————————————————————————

“أنا قولت الكلام لأبويا، وبقوله تاني: محدش هيغصب ورد على حاجة يا أمي، ومحدش هيمس شعرة منها، وإياكم كلكم… حد يفكر يضايقها بكلمة!”

مشيت وسبّت أمي، وكنت مدركًا أن ورد دخلت الأوضة وهي خايفة من نبراتي. استغفرت شوية وقررت أسيبها تهدى ونزلت تحت. كان الوقت متأخر شوية وجدي سايبهم شوية، لأن في العادة الساعة 11 البيت بيكون ساكنًا ومظلــ . ــمًا والحركة قليلة. نزلت تحت وناديت على ليلى.

خرجت معايا على الجنينة، بدون مقدمات اترميت في ح.ضنها وأنا بقول:

“أنا تعبان أوي يا ليلى.”

“مالك يا حبيبي… ورد قالت لك حاجة؟”

“لا، بس عيونها بتحكي خوفها. أنا مش عاوزها تخاف مني، أنا مكنتش عاوز أتجوزها كده، ولا تعرفني بالشكل ده. مش عارف المفروض أعمل إيه، أقول إيه؟”

“أقولك أنا تعمل إيه؟
خليك أنت يا يوسف، اخرج لها قلبك وحنيتك. الحنية مفتاح كل ست. لو حنيت عليها هتاخد عيونها وقلبها، وأهم حاجة متسبهمش يكلّوها، بيت الصدّيق كله مفطور وجع بسبب بيت الغريب.”

“وعزة ربنا اللي هيضايقها بكلمة هوريهم مين يوسف هارون الصديق على حق.”

————————————————————————

أول ليلة ما دخلتش الأوضة أصلًا، بعّت لها بنت تقولها إن أستاذ يوسف هينام في مكان تاني الليلة دي، وقبل الفجر مكنش فيه أي صوت من الأوضة ومعاد الفطار قرب. وصلت عند الباب وأنا بخبط عليه، خبطت مرة كمان بقلق ومرة تالتة أشد شوية لغاية ما وصل صوتها الناعس المخضوض:

“مين؟”

“اهدي أنا يوسف، كنت بطمن عليكِ، وكمان عشان تجهزي للفطار، لأنك متعشيتش امبارح.”

سكتت شوية وبعدين قالت بنبرة عالية بس لسه النعاس مسيطر عليها:

“أنا مش جعانة.”

“أولًا لو ناوية إضراب عن الأكل، محدش هيضر غيرك. ثانيًا أنا مستحيل أسمح بكده، والأهم أن جدي مش هيسمح بكده أبدًا. فلو سمحتي ممكن تجهزي عشان ننزل للفطار.”

سمعت صوت من جوه، كأنها ضـ,ـربت حاجة؛ سّندت على الحيطة ومستنيها تخرج. بعد دقائق قليلة أعتقد غسلت وشها وخرجت، لابسة فستان أسود متكرمش وطرحة كمان. فهمت أنها كانت نايمة بيهم وأنها خافت تلقع الحجاب طول الليل. كنت مضايق عليها ومش عاوزها تظهر كده لكن سكت. كانت بتتحرك جنبي في صمت، والفستان كان ضيق عليها؛ كل حاجة تدعو للغضــ . ــب. روحت وقعدت مكاني جنب جدي، ولقيت كرسي جنبي فاضي. توقعت أن جدي نقل عمي من مكانه، وطبعا دي حركة تقهر الموجودين. قصادي كان أبويا وجنبه أعمامي التلاتة. نظراتها مشوشة، مش ضعيفة لا، هي غير مبالية.

“بسم الله.”

جدي سمّى الله والكل بدأ يأكل، وهي متحرّكتش، قربت عليها وقلت

“تحبي حاجة معينة؟”

هزّت رأسها بالرفض، فابتسمت لها وقلت

“يبقى أختار لكِ على ذوقي، أي رأيكِ في…”

كنت بحط قدامها أنواع جبن، وبعمل توست بنفسي، ما طلبتش من الخدم يحضروا لها، لا، أنا جهزته بنفسي، تحت نظرات أمي وأبويا اللي هاين عليهم يهدروا دمي ولا يشوفوا المنظر دا. جدي كان بياكل في صوت كعادته ومتابع بابتسامة مخفية، هي كانت ساكتة لكن عيونها مستغرباني. بدأت تاكل لما قلت لها، وبتاكل بحذر كبير فخرج صوت أمي

“كُلي يا أختي كُلي، مش حاطينلك سم في الأكل.”

كانت هترد، وكنت هسبقها في الرد، لكن جدي سبقنا كلنا

“احترمي حالك واختاري كلامك وانتِ بتتكلمي على ست البيت يا بهية…”

الكل سكت من الصدمة، حتى أنا وهي!
مكنتش متخيل، أمي اللي هي ست البيت، اللي بتحكم وتتحكم في الكل عشان هي مرات وهدان هارون آل صديق، الست الأولى اللي دخلت البيت من بعد جدتي، جدتي الست اللي اتجوزها جدي، والكل عارف إنه عمره ما حبها. كنت مصدوم ومش عارف أحدد مشاعري، أنا زعلان على أمي بس مدرك كويس إنه لولا الكلمتين دول ورد كان ممكن تتفرم تحت سنانها.

الفطار خلص، والكل بيتحرك في القصر بحرية يشوف مشاغله، وهي واقفة زي ما قلت لها، لغاية ما وديت أمري لخالد ابن عمي إن مافيش راجل واحد يبقى على السلم أو الممرات. حتى هو كان مدي ورد ظهره وهو بيتكلم معايا وبيقول:

“حصل يا يوسف.”

ابتسمت وهو مشي على طول، فقلت لها:

“تقدري دلوقتي تروحي أوضتك لو عاوزه.”

هزّت راسها ومشيت قدامي بخطوات سريعة، وأنا دماغي مشغولة. يظن الجميع من شرودي إني بفكر في ورث العيلة أو مثلا كوني شايل هموم التجارة الكبيرة ومعظم البيت، لكني بفكر: هعمل إيه لو الفساتين كلها ضيقة كده؟
أنا جبتهم مقاسات متقاربة من المقاس دا!

وصلت الأوضة وقفلت الباب، خبطت وسمحت ليا بالدخول بعد ما استأذنتها.

“معلش بس، في دواء في الدرج اللي جنبك ممكن تجيبيه.”
قولتها وأنا واقف بعيد عند الدولاب، لأني مش عاوز أقرب أوي من السرير اللي هي قاعدة عليه عشان ما تخافش مني. اتحركت بتوتر وجابت الدواء على الترابيزة. أنا جهزت هدومي وعيوني لسه على الفساتين المعلقة، أخذت فوطة ودخلت الحمام، أخذت دش سريع ولبست لبس رسمي لأن عندي اجتماع شغل مهم أوي في المينا النهاردة.
خرجت ووقفت أسرح شعري وهي في مكانها ما تحركتش، رشيت العطر بتاعي ولِفِت ناحيتها وقلت:

“سارة بنت أم وليد هتلاقيها حوالين الأوضة، وقت ما تحتاجي أي حاجة نادي عليها. وغيري هدومك وارتاحي، أنا طول اليوم مش هكون في القصر، عندي اجتماع مهم وهاجي بعد معاد العشا…”

مكنتش لسه كملت كلامي لكنها قطعتني وقالت:

“مش مهتمة أعرف سبب غيابك، قول اللي عندك واتفضل…”

اتنهدت وأنا بكمل كلامي وقلت:

“لو مش حابة تنزلي تتغدي تحت اطلبي من سارة الغداء في أي وقت وهي هتجيبه، وكمان تقدري تقفلي على نفسك وتقلعي الطرحة، ولو محتاجة مني أي حاجة قولي لسارة وهي هتتصل بيا.”

تجاهلت كلامي، ضبطت هدومي وخرجت لخالد وسارة وقلت:

“سارة… متبعديش ٣ متر عن الأوضة، بلاش تخبطي ولا تخلي حد يدخلها من غير إذني. كل طلباتها موجبة؛ لو أمي بالذات حاولت تدخل لها اتصلي بيا فورًا.”

انصرفت من قدامي وخالد وقف قدامي وتطبطب على كتفي بابتسامة:

“هتهون وقلبها هيلين يا يوسف، شوية صبر بس.”

“أنا خوفي أكبر يا خالد، خايف نكرر قصة زينب وغريب، خايف أكون أنا غريب اللي أدفـ,ـن بالحِيا في جوزته.”

اتنهدت، مكنش فاهمني ولا يفهم ليه شبهتنا بزينب جدتها وجدها غريب، لكن لو حكيت ألف مرة هي ورد بس اللي هتفهمني!

————————————————————

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0