الجنان2

قفلت معاه، وحطيت الموبايل مكانه. ولسه برفع عيني… لقيت ورد واقفة.

“يوسف!!”…. .. يتبع
رجعنا بورسعيد بقالنا يومين. كانت بتتجنبني؛ كنت ملاحظ ده، كأني رجوعنا القصر وسط العيلة فكرها بالحقيقة المرة وإنها مغصوبة عليّ. كنت مرهق نفسيًا وجسديًا؛ أخدت دواء الضغط قبل العشا ونمت على السرير من غير ما أحس. مكنتش موجودة، كانت مع ليلى وسارة. غالبًا مرَّ وقت مش عارف قدره، وصحيت وهي بتفتح الباب داخلة. كنت دايخ أوي — لأني مكلتش من الصبح واتمرَّنت بعد الشغل. قاعد على حالي وبحاول أفوق، لقيتها بتزعق وبتقول:

“أنت نايم هنا ليه؟ طريقة جديدة عاوزني أنام جنبك بيها!”

كانت بتهاجم، ومكنتش فاهم إيه بيحصل؛ رديت باستنكار وقلت:

“طريقة جديدة إيه؟ هو كان في طريقة قديمة أصلًا؟ وبعدين أنا مش قلت لك مش عاوز منك حاجة إنتِ مش عاوزِها!”

“والله؟ عاوز تفهمني إن كل صبرك ده مش طريقة منك إنك توقعني!”

“أوقعك في إيه؟ قولي بس أوقعك في إيه؟؟”

“أنت رجل… وأكيد عاوز مراتك، ودليل آه، إني جيت لقيتك نايم في السرير!”

“هو نومي في السرير بقى جـ,ـريمة؟ لمجرد إني مرهق وتعبت من نومة الكنبة بقيت رجل دنيئ عاوز منك… استغفر الله العظيم، ورد لِمّي الليلة؛ أنا لا عاوز أتخمد ولا عاوز منك حاجة.”

قلتها بزهق ودخلت البلكونة. كان لازم أبقى صبور وهادي أكتر لكني تعبان، وكنت بتمنى أي أمل منها إن صورتي اتغيرت عندها. صوتها غاب — غاب زيادة أوي، يمكن ساعة وشوية. مافيش حركة باينة من باب البلكونة، فدخلت الأوضة؛ مكنتش موجودة. قربت من باب الحمام وخبطت: خبطة وبعدها خبطة أقوى؛ فوصل صوتها اللي باين جدًا إنها بتعيط!

“عاوز إيه؟”

“عاوز الحمام.”

قالتها ببرود متعمد. دقيقة وسمعت صوت ميّة، وبعدين على طول خرجت ووشها مغسول وعيونها حمرا وشعرها مرفوع أوي. وقفت قصادها وقلت:

“أنتِ مِعيطِة؟”

“وهعيط إيه إن شاء الله؟”

قالتها بكبْر وحدّة، فقلت لها بحنية:

“بس هدّي، وعيونك بتقولوا عكس كده.”

“وأنت مالك أنت؟”

قربت شوية وأخدت إيديها وقعدتها على الكنبة. كانت متجمدة من جرأتي لأول مرة أمسك إيديها صراحة كده.

“ممكن تهدي؟ مش لازم تقولي بتعيطي ليه. بس اهدي واستجمعي نفسك كده.”

مسحت وشها، وفي لحظة الدموع كانت هتتجمع تاني لقتها بتتنفّس وبعدها بصّت لي وقالت:

“انت عاوز مني إيه يا يوسف؟
شهر وشوية وأنا عايشة في قلق بسببك. أنا مش مستوعبة تصرفاتك، مش مصدقة حاجة من اللي بتعملها أو تقولها. قول انت عاوز إيه مني؟
إيه هدفك من الصبر ده كله، ومن إنك تقول لي ‘أنا جوزك وإنتِ مراتي’؟
الكلام اللي ملوش غير تفسير واحد إنتِ بتقعد تنفيه بكلامك. أنا تعبت، مش فاهمة حاجة.”

” هتصدقيني لو اتكلمت؟ ”
قولتها بحنية كبيرة، فاتنهدت ودموعها نزلت وقالت:
” لا ”
” طب انتِ عاوزه تصدقيني؟ ”
فضمت عيونها، والدموع جرت أكتر، وبعدين قالت:
” مش عارفه ”
” مش عارفه ولا خايفه؟؟؟ ”
مسحت دموعها اللي بتنزل بدون توقف وقالت:
” الاتنين… يوسف، هو إن ممكن تكون صادق ”
ابتسمت لها بنفس الحنية وقولت:

” أنا مش حاجة غير إني صادق يا ورد، أنا عاوزك على فكرة، وعاوزك مراتي وكل حاجة، بس عاوزك انتِ اللي تعوزيني، ترضي بيا. بطلب منك فرصة، فرصة نكون أي حاجة غير ورد ويوسف اللي تعرفوا واتولدوا في الظروف دي. اديني أي اسم وأي شخصية وأنا راضي، بس بداية جديدة من غير أي أحكام سابقة، وسيبيلي خوفك أنا هطمنه ”
سكتت كتير أوي، كتير… وبتتهرب بعيونها بعيد عني، وبعيد عن عيني. حسيت إني اتسرعت، وحسيت إني فاشل، فشلت أخليها تثق فيا. وأكّد إحساسي لما قامت من جنبي وأدتني ظهرها. قومت أنا كمان على الحمام أغسل وشي وخيبتي.
دقايق وخرجت لقيتها واقعة على عتبة البلكونة، شايلة لحاف ومخدة، وبتبص ليا بترد وقالت:

“أنا هفرش لك على الأرض هنا، الشتا أهل والجو هيبقى برد عليك أوي، ولا أفرش لك على الكنبة؟”

كنت حاسس إن ابتسامتها أوسع من حياتي كلها لما قالت كده. ابتسمت وعيوني عليها مش سايبة فيها تفصيلة، لغاية ما اتوترت وقالت:

“يوسف! ركّز عشان مترجعش أنام في البلكونة.”

ضحكت وانا بقرب وقلت:

“حطّني في المكان اللي يريحك.”

ابتسمت لي وبدأت تفرش لي بأديها على الأرض جنب السرير، وفعلاً كل واحد نام مكانه.

————————————————————

“مقولتش ليّ برضه… يوسف كارِف لك ليه؟؟”

بصيت لها بزهق وقلت:

“تاليا ابعدي عني.”

“اسمعي مني واتشتري يا ياسورة، إحنا أخوات برضه.”

“اتفضلي.”

“يوسف كارِف لك ليه؟ ملاحظة إن حتى في الميناء متفش في وشك وكلامه كان حاد أوي.”

“عشان سلمت على مراته… ارتحتي!!”

قلتها بغيظ فسكتت، وبعدين قالت بتفكير:

“البنت دي مطلعتش من البخت. يوسف يعرفها أو عاوزها من قبل ما يتجوزوا.”

“عاوزة توصلي لإيه؟؟”

بصّت لي بخـ . بث وهي بتقول:

“عاوزة أقول يا أخويا يا حبيبي إن البنت مش خالية من عينك، وإنك شكلك تعرفها. هي دي بقى بنت الغريب اللي قولتلي عليها!!”

“ولو هي؟ هتفرق، ما هي تحت اسم يوسف دلوقتي.”

“هتفرق كتير. مراته المتكوّنة اللي غالبًا هو اختارها من بين بنات الغريب كلهم كانت على علاقة سابقة بصاحبها. وجايز العلاقة تكون مش سابقة، في الأول أو الآخر دي جوازة مغصوبة يعني.”

“إلى الآن تسليف غير استفادة واحدة وهي لكِ وبس. أنا هَستفاد إيه لو عملت كده؟”

“هتِفش غلك في ورد بدل ما أنت هتفِرّقع منها. اللمسة اللي معرفتش تاخدها منها وهي بتحبك، يوسف هيأخدها منها وهي مش بتحبه، وكمان هتقدّر يوسف، عشان كده أنت أخدت حاجة هو عاوزها من إيده…”

“طبعا يوسف بياخد كل حاجة. يوسف هو الحفيد اللي على الحجر… معرفش بتِحبي فيه إيه.”

“يوسف يتحب فيه حاجات كتير أوي. نفسي فيه من سبع سنين، من أول ما نزلت مصر وشوفته في الميناء.”

“طب مش حاسة إن اللي مدميش ريق من سبع سنين مش هيديكِ دلوقتي؟؟”

“ملكش دعوة أنت. شوف اللي مقعدش في إيدك سنة وفلسعت.”

————————————————————

عدّى كام يوم على اتفاقنا. كان بينام على الأرض جنب السرير حاسس كأنه نايم فوق السحاب، ويقعد يكلّمني كتير، وأنا أرد عليه بهدوء وبكلام قليل من استغرابي، لكنه متحمّس… حماس جميل أوي. خرج من الحمام وأنا كنت بروّق فرشته، وبقى اتفاق صامت إني أنا اللي أفرشها وأشيلها كل يوم. كان لابس قميص أبيض وبنطلون أسود كلاسيك، ومع تقسيمة جسمه شكله خرافة.

طلع علبة صغيرة وقرب مني وقال:

“عندي اجتماع مهم أوي، اختاري كرافات أربطها، هلبس بليزر أسود.”

ابتسمت وبصيت بحيرة. كنت بشوف ماما دايمًا بتربطها لبابا الله يرحمه، وكنت بتمنى في يوم من الأيام إني أربطها. لكن الموقف جه بدري أوي. عيوني دمعت، واخترتله واحدة وأديتها له، فابتسم وقال:

“تعملي معروف وتلفيها؟ ولا أروح أصحي ليلى؟”

سكت شوية بتردد وبعدين هزيت راسي. وقفت بعيدة قد ما أقدر، وذراعي ممدودة، وبربطها له بتوتر. مكنتش مظبوطة لكنه قال:

انت في الصفحة 2 من 11 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0