كنت بنكّشها فسمعت ضحكتها وقالت:
“هسمعك يا عم، أهو صوتك أهون من صمت الحيطان اللي عايش فيه ده.”
“يوسف… مش متألق كعادتك كل سنة. مالك يا چو؟ الجواز خيبك؟”
أظن صوت ياسر وصل لها ونبرتها اختلفت جدًا كأنها قلقانة.
“هو أنت مع حد؟
أصل أنا شُفت خالد في القصر.”
“لا، لوحدي يا حبيبتي. معلش هكلمك كمان شوية. خلي بالك من نفسك.”
كنت مدرك إنها هتحسبني على كلمتي دي، بس مش مهم. في حاجة شغلت مخي ولازم أفهمها. قبل ما أتكلم لقيته بيسأل بعشم باين جدًا إن وراه هدف:
“الجواز شكله خطفك مني يا چو، بتكلم ورد؟؟”
“خطفني منك؟
كنت مواعدك بحاجة وخليت بيكِ لاسمح الله.
طول عمرنا سكتنا مختلفة، وبعدين أنا لسه عامل حساب عشان بينا صلة دم. بس مرة تانية اسمع اسم ورد على لسانك هتشوف حاجة مش متوقعة من يوسف.”
سكت شوية وبعدين ضحك وهو بيحاول يخفف من حدتي وقال:
“مالك يا چو؟
تنشِنت كده ليه؟
هي بنت خالي هارون برضه، وأنت عارف حتى لو العيلة مقطعين أمي وأبويا أنا كنت بتواصل مع الشباب، وقابلتها في الكلية قبل كده.”
“أنا عرفتك اللي فيها؛ ورد دلوقتي حياتها اتغيرت بقت في بيتي وتحت اسمي، وأي حاجة كانت قبل كده فهي اتقطعت. يا ريت ما شوفكش بتفتح حاجة آخرها مش هتعجبك خالص… ماشي؟
وخاطر عمي محمود مش هيطول كتير، مراتي فوق أي خاطر”
————————————————————
خبطت على الباب كتير لكنها مش بترد. فتحت الباب بهدوء بس مكنتش موجودة. لحظة ولقيتها خرجت من البلكونة وهي مشبكة إيديها وباصصة لي، وأكيد ناوية عليّ تحقيق، لكني صفر طاقة، فقبل ما تتكلم سبقتها وقلت:
“ممكن نأجّل أي كلام بعدين؟
حقيقي مهلك نفسيًا وجسديًا النهارده.”
سكتت وسبتها ودخلت أخذت دش، ونسيت آخد هدومي معايا جوه. كنت لسه هاندّي عليها لقيتها بتخبط ويدياها ممدودة بهادومي وفوطي كمان. أخذتهم منها بيدي وبعد دقايق خرجت لها لقيتها قاعدة على الفرشة في الأرض وقالت:
“من غير نقاش، أنت هتنام على السرير النهارده عشان شكلك تعبان بجد. أنا كده كده سهرانة.”
“وسهرانة ليه؟
نامي وريحي جسمك.”
“عادي زعقانة… نام أنت، شكلك تعبان.”
“أنا تعبان بس مش عايز أنام… قوليلي.”
“أقولك إيه… مش المفروض أنت تقول.”
ابتسمت على مروغتها في الكلام وقلت:
“أقولك إيه… شوفي، عاوزة تسمعي إيه وأنا أقوله علشانك.”
هربت بعيونها وبعدت، قالت بدافع كأنها بتدافع عن حاجة أنا متهمتهاش بيها لكن نفسها قالتها:
“أنا مش عاوزة أسمع حاجة… أنت قلت إنك هتحكيلي حاجة الصبح.”
“قلت إنّي هحكيلك لما قولتي إنك هتسمعيني.”
كنا بنلعب بالكلام وكل واحد بيحاول يثبت حاجة بلا مسمى للتاني، والنتيجة إنّي كسبت وهي اتعصبت بطريقة طفولية وقالت:
“أنا هنام.”
“استني بس… هحكيلك ومحتاجك تسمعيني.”
قلتها بهدوء وكان باين عليا التعب فعلاً. بصّت لي وملامحها لانت تدريجيًا وبدأت أتكلم:
“بصي… الموضوع يختصر في إن ليلى حامل. وده زي ما هو خبر حلو لينا هو خبر مرعب لينا. ليلى عندها ورم على الرحم، كان بعد ولادة صالح وقاعد في رحمها أربع سنين ومحدش كان عارف. من تلت سنين علمت بالاختبار إنها حامل، وكانت هتطير من الفرحة. ولما راحت للدكتورة طلبت تحليل وأشعة، والحاجات كانت آخرها إن في ورم…
ورم مش حميد؛ الحمل ممكن ميكملش. مكنش ينفع تدخل عملية تستأصل الرحم وهي في أول شهور الحمل، فقالت إنها هتكمل وبعدين الولادة تشيلها. في خلال أيام ليلى سقطت بين إيدّي أنا وخالد…
تجربة قاسية ومؤلمة—ألم نفسي وجسدي—ومحدش عرف من القصر غير جدي لأننا أصلاً كنا بره مصر أنا وهي وخالد. وبعد ما فاقت رجعت عشان تستأصل الورم، وكانت النتيجة إن الحمل ومضاعفات الإجهاض خلت فيه خطر واحتمالية استئصال الرحم كله.”
كنت بتكلم بوجع وأنا بفتكر كل الأيام دي، لكني وقفت لما لقيتها بتعيط وهي قاعدة في الأرض. نزلت لها فورًا وقلت:
“ورد… اهدي بس، إنتِ بتعيطي ليه؟”
عياطها زاد شوية وهي بتتكلم وبِتقول:
“عشان هي مرت بالوجع ده. ليه واحدة تمر بكل ده؟ هي أجهضت مرتين، وهي دلوقتي أكيد تعبانة وفي خطر إنها تخسر ابنها للمرة التالتة.”
كنت مانع نفسي بكل الطرق إني أضمها لح.ضني وأمسح دموعها. مسكت إيديها الاتنين وقلت:
“ورد اسمعيني، ليلى كويسة وهتتخطى كل الوجع ده—اهدي بس.”
فضلت أهديها لغاية ما مسحت دموعها ورجعت لورا شوية. فطلعت أنا على السرير عشان تطمن ومتتوترش. هديت أكتر وبعدين سألت:
“هي دلوقتي عاملة إيه؟”
“تعبانة ومنهارة، لكن ليلى هتفوق وهتقف على رجلها. وأنا ظني في ربنا إنها هتبقى كويسة وربنا هيكرمها وتشيل ابنها ده على يدها.”
“طب أنا ممكن أطمن عليها بكرة؟
والله هتضايق إنك حكيت لي حاجة.”
“بصي، ممكن يومين كده وأنا وانتي ننزلها الجنينة ونفك عنها شوية.”
هزت رأسها وباين في عيونها قوي إنها زعلانة عشان ليلى. ابتسمت وأنا بحب رحمتها أكتر من الأول:
“يلا يا قطة، تعالي اطلعي مكاني عشان أنا هنام على الأرض.”
“لا خليك النهارده على السرير ترتاح عشان أنت تعبان.”
“أنا أرتاح وإنتِ تتعبي؟
تتعبي في سبيل راحتك راحة يا ورد.”
شكرت وبعدين هربت بعيونها من الخجل وقامت من سكات وبدلنا الأماكن.
—————————————————————
بدلت مكاني معاه متنطقتش بعد كلامه الأخير. رخم وبارد ومبيحترمش حدوده، وكمان حنين وصادق. اللي اكتشفته إن يوسف رقيق ومش بتاع كلام؛ يوسف رجل قوي، يمكن عمري ما شفت في حياتي راجل زيه.
أفعاله هي اللي بتوصفه. حتى لما بيقول كلمة بينفذها قبل ما ينطقها. بصيت عليه لقيته راح في النوم أخيرًا. بيوتّرني جدًا، أستاذ يوسف، وحاجة تانية بتوترني… رنة الموبايل.
قومت جبت موبايله من على الترابيزة لقيت الرنة خلصت، وبعدها رسالتين ظهروا على الشاشة. كانت رسالة مكتوب فيها:
“بص يا جو”
والرسالة التانية كانت صورة. إيدي كانت بترعش لما قرأت الاسم: “ياسر محمود الراوي”.
يُتبع
صحيت على الفجر، كانت نايمة. بصيت لها وأنا فوق وقلت:
“ورد… الفجر.”
اتقلبت من مكانها وغالبًا مش حاسة بيا أصلًا، فضحكت وناديت تاني:
“ورد… يا بنتي قومي، الفجر خلاص هيآذن.”
“أوف بقى… مش بصلي، سيبني أنام.”
ثواني وكنت استوعبت قصدها. ضحكت جدًا لأنها فعلاً مش في وعيها. قومت واتوضيت وبعدين نزلت أصلي، وكان معايا أبويا وخالد وجدي كالعادة. بعد الصلاة دخلت أتمرن شوية وبعدين رجعت أوضتنا؛ كانت لسه نايمة زي ما هي. قعدت مكاني وابتديت أفتح إيميلات الشغل اللي خالد حولها ليا عشان هو مش فاضي ومشغول مع صالح لأن ليلى مش بتخرج من الأوضة لسه. الساعة وصلت لتسعة وأنا في وضعي، لكن لما لقيتها بتتقلب كتير وضمت ركبتها لجسمها، فهمت إنها بتوجع. قفزت من مكاني ونزلت المطبخ أدور على سارة لكنها كانت نايمة، فروحت لأمي.
“أمي… معلش عاوز منك حاجة.”
سبت كل حاجة وجت لي مبتسمة:
“صباح الخير يا نور عيني. عاوز فطار يا حبيبي؟”
ابتسمت وببـ,ـوس راسها وقلت:
“لا يا حبيبتي، تسلم إيدك. كنت عاوزك تقولي على اسم مسكن حلو ومش مضر أوي عشان ورد جاتلها الدورة وتعبانة. وكمان تجهزي قربة مياه سخنة عشان مش هعرف أعملها، وأنا مجهز لك سندويتش سريع كده.”
ملامحها اتغيرت جدًا وهي بتقول:
“يا قهر على دلع ست ورد! صدقت إنها ست البيت ولا إيه؟
ابعد عن وشّي يا يوسف، أنا مش طايقاها أصلًا، وكل ما أكلم جدي وأقوله ينزلها المطبخ مع مراتات عيال عمك يقولي ‘عروسة وسيبها’. مش فاهمة هي تفرق إيه عن باقي بنات البيت!!”
“تفرق إنها مراتي، ومينفعش تخدم حد غير جوزها. ورد ست الكل عليهم كلهم. بعيدًا عن إنها تعبانة فعلاً، إيه المشكلة لو اتدلعت يا أمي؟
خليها عليا أنا والبنت وربنا يسترها عليكِ.”
“بلا غِلب، كلها شهر يا يوسف. لو محملتش في الشهر ده كمان والله هنزلها تحت رجلي.”
“أمي، بعد إذنك، ورد مراتي واهانتها من إهانتي. بلاش الكلام اللي يخلق مشاكل مالهاش داعي. ورد مش هتنزل تخدم في المطبخ سواء حملت أو لأ. ويا ريت ما تفتحوش موضوع الحمل دا مع ليلى ولا مع ورد؛ كل واحدة لها خصوصيتها، والحمل ده حاجة بيد ربنا.”

